أفريقيا بين مطرقة الانقلابات وسندان التنافس الدولي.. من يملأ الفراغ؟..بقلم : شحاتة زكريا
لم تعد القارة الأفريقية مجرد رقعة جغرافية على هامش الأحداث الدولية ولا حديقة خلفية لقوى استعمارية تقليدية استمرأت الهيمنة لعقود خلت. إن ما يشهده حزام الساحل والغرب الأفريقي اليوم ليس مجرد موجة عابرة من الاضطرابات بل هو زلزال جيوسياسي عميق يعيد صياغة معادلات القوة ويضع القارة السمراء في قلب الصراع الدولي المعاصر: بين مطرقة الانقلابات العسكرية وتصدع المؤسسات وسندان التدافع العالمي المحموم على النفوذ والموارد المتأمل في مشهد الانقلابات المتتابعة من مالي والنيجر وبوركينا فاسو إلى الجابون يدرك أن جوهر الأزمة لا يكمن في حركة آليات عسكرية طوقت القصور الرئاسية فحسب وإنما في إفلاس نموذج الحكم الذي ورثته دول ما بعد الاستقلال. لقد عاشت شعوب القارة عقودا تحت وطأة نخب سياسية ارتهنت للخارج وعجزت عن تحويل الثروات الباطنية الهائلة من يورانيوم وذهب ونفط إلى مشروعات تنموية تضمن الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. هذا الفشل المزمن، مقرونا بانفجار أمني وتصاعد لافت لجماعات العنف والتطرف خلق هوة شاسعة بين الشعوب ودولها وجعل الشارع الأفريقي لا سيما شريحة الشباب النابضة يرحب بأي تغيير يكسر الجمود القائم، حتى وإن ارتدى البزة العسكرية.
غير أن هذه الصحوة الغاضبة ترافقت مع تحول بنيوي في الوعي الجمعي إذ باتت الهوية الوطنية الأفريقية تبحث عن التحرر الحقيقي رافضة استمرار الوصاية الغربية، والفرنسية منها بوجه خاص. لقد رفعت تلك الأنظمة الوليدة شعارات السيادة ووجدت في المزاج الشعبي ظهيرا يدفع باتجاه طرد القواعد العسكرية الأجنبية وإعادة النظر في الاتفاقيات الاقتصادية المجحفة. لكن السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه بإلحاح هل خروج نفوذ تقليدي يعني بالضرورة استعادة الاستقلال الناجز أم أنه فتح للباب أمام استبدال وصاية بأخرى؟ هنا تحديدا تبرز معضلة سندان التنافس الدولي فالساحة الأفريقية لا تحتمل الفراغ طويلا وسرعان ما تحولت تلك التموجات إلى فرصة ذهبية لقوى صاعدة تبحث عن موطئ قدم استراتيجي. روسيا تقدم نفسها حليفا أمنيا لا يعبأ باشتراطات الديمقراطية الغربية مستندة إلى الدعم التسليحي والشركات الأمنية الخاصة بينما تتحرك الصين بثقلها الاستثماري ومشاريع البنية التحتية العملاقة ضمن مبادرة الحزام والطريق مقدمة القروض والجسور في مقابل التدفق المستمر للمواد الخام والمعادن الاستراتيجية التي يعتمد عليها مستقبل التكنولوجيا والطاقة النظيفة في العالم.
وفي خضم هذا الاستقطاب الحاد تبدو الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون في حالة ارتباك استراتيجي فهم يجدون صعوبة بالغة في التوفيق بين التلويح بخطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان من جهة والبراغماتية التي تفرضها مصالحهم الأمنية في مكافحة الإرهاب وتأمين سلاسل الإمداد من جهة أخرى. هذا التناقض جعل الموقف الغربي يبدو في عيون الأفارقة فاقداً للمصداقية وأقرب إلى الوصاية الانتقائية إن الخطر الحقيقي الذي يحدق بأفريقيا اليوم هو تحول أراضيها مجددا إلى ساحة حرب بالوكالة تتصارع فيها العواصم الكبرى على مقدرات القارة دون أن ينال المواطن الأفريقي البسيط سوى الفتات. إن التجارب التاريخية تعلمنا بوضوح أن الانقلابات مهما حملت من وعود براقة في بداياتها ورفعت من شعارات وطنية ملهمة تظل عاجزة بمفردها عن بناء دول مستقرة أو مؤسسات تنموية قادرة على الصمود إذا لم تتحول إلى مشروع وطني جامع يستند إلى حكم القانون، والشفافية، والإدارة الرشيدة للثروات…من هنا فإن طوق النجاة الحقيقي لا يمر عبر استبدال راية دولة عظمى بأخرى ولا بالرهان الأعمى على الحلول الأمنية الخالصة. إن الخروج من فخ الاستقطاب الدولي يتطلب رؤية أفريقية تكاملية تقودها المنظمات الإقليمية الفاعلة لتبني مقاربة تقوم على المصالح المشتركة والندية السياسية في التعامل مع كافة القوى الدولية. فالقارة تمتلك أوراق قوة حاسمة بشريا وجغرافيا واقتصاديا تؤهلها لأن تكون شريكا يصيغ قواعد اللعبة لا رقعة شطرنج يتبارى عليها الكبار إن أفريقيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي فإما أن تنجح في تحويل هذا الحراك إلى مشروع نهضة حقيقي يؤسس للدولة الوطنية المستقلة أو أن تبتلعها دوامة صراع النفوذ العالمي لتخرج من قبضة نفوذ لتسقط في قبضة آخر ويبقى السؤال معلقا هل تملك العواصم الأفريقية شجاعة بناء القرار الذاتي قبل أن يُحسم أمرها في مطابخ السياسة الدولية؟
