التضخم العالمي كفاعل سياسي غير مُعلن.. بقلم :شحاته زكريا

43

لم يعد التضخم مجرد ظاهرة اقتصادية تُقاس بمؤشرات الأسعار بل تحول بهدوء إلى فاعل سياسي غير معلن يعيد تشكيل أولويات الدول ، ويضغط على صانعي القرار ويؤثر في استقرار المجتمعات دون أن يحمل لافتة سياسية واضحة. فحين ترتفع الأسعار لا يتغير فقط سلوك السوق بل تتغير مزاجات الشعوب ، وتعاد صياغة العلاقة بين المواطن والدولة وتدخل السياسة من أوسع أبوابها . التضخم العالمي في السنوات الأخيرة لم يكن نتاج عامل واحد بل حصيلة تراكب أزمات متلاحقة: جائحة عطّلت الإنتاج وحروب أربكت الطاقة والغذاء واضطرابات في سلاسل الإمداد وسياسات نقدية توسعية لجأت إليها دول كبرى ثم دفعت ثمنها لاحقا. هذه العوامل مجتمعة جعلت التضخم عابرا للحدود لا يعترف بسيادة وطنية ويضرب الاقتصادات بدرجات متفاوتة لكنه يترك أثرا سياسيا متشابها: ضغط اجتماعي متصاعد .. هنا يظهر التضخم بوصفه قوة سياسية صامتة. فهو لا يُصدر قرارات لكنه يفرضها. لا يخوض انتخابات لكنه يؤثر في نتائجها. ولا يرفع شعارات لكنه يُغير أولويات الحكومات. فالدولة التي كانت تناقش مشروعات طويلة الأجل تجد نفسها مضطرة لإعادة ترتيب الإنفاق وتوجيه الموارد نحو الدعم والحماية الاجتماعية وتهدئة الشارع قبل التفكير في الطموحات الكبرى .. في المجتمعات يتحول التضخم إلى اختبار للثقة. حين يشعر المواطن أن دخله يتآكل وأن قدرته على التخطيط للمستقبل تتراجع يصبح أكثر حساسية لأي قرار اقتصادي وأكثر قابلية للقلق والاحتجاج. هنا لا تكون المشكلة في الأرقام ذاتها بل في الإحساس العام بعدم اليقين. فالتضخم حين يطول أمده لا يضغط على الجيوب فقط بل على الأعصاب ويضعف الإيمان بالسياسات العامة مهما كانت مبرراتها.
أما سياسيا فقد أصبح التضخم عاملا مؤثرًا في استقرار الحكومات. شهدنا في دول عدة تراجعا في شعبية قيادات وصعود قوى معارضة واتساع فجوة الاستقطاب وكلها مرتبطة بشكل أو بآخر بتكاليف المعيشة. حتى الدول ذات المؤسسات الراسخة لم تكن بمنأى عن هذا التأثير ما يؤكد أن التضخم اليوم ليس أزمة اقتصادية تقليدية بل تحد سياسي بامتياز .. الأخطر أن التضخم يقيد هامش الحركة السياسية. فالحكومات تجد نفسها بين خيارين أحلاهما مُر: إما تشديد السياسات النقدية لكبح الأسعار مع ما يحمله ذلك من تباطؤ اقتصادي وبطالة محتملة أو الاستمرار في التيسير المالي حفاظا على النمو مع مخاطر تفاقم الغلاء. في الحالتين القرار اقتصادي في ظاهره لكنه سياسي في جوهره لأن نتائجه تحسب بميزان الشارع لا بميزان السوق فقط.
في العالم النامي يتضاعف أثر التضخم السياسي. فالهشاشة الاقتصادية واتساع قاعدة الفئات محدودة الدخل تجعل أي ارتفاع في الأسعار مسألة أمن اجتماعي. وهنا لا يعود التضخم مجرد تحد دوري بل يتحول إلى عامل قد يعيد تشكيل الأولويات الوطنية ويؤثر في الاستقرار ويضع الدولة أمام اختبار صعب: كيف تحمي مواطنيها دون أن تُقوض أسس الإصلاح والاستدامة؟
ورغم ذلك لا يمكن التعامل مع التضخم بمنطق رد الفعل فقط. فالفاعل السياسي غير المعلن لا يُواجه بالشعارات بل بسياسات متوازنة وخطاب صادق وشفافية تُشرك المواطن في فهم التحدي. فالتاريخ الاقتصادي يُظهر أن المجتمعات تتحمل الضغوط حين تشعر بالعدالة وبأن الأعباء موزعة بشكل منصف وبأن هناك أفقا واضحا للخروج من الأزمة.
التضخم العالمي اليوم يعيد طرح سؤال جوهري: هل تستطيع السياسة استعادة زمام المبادرة أمام اقتصاد منفلت التأثير؟ الإجابة لا تكمن في إنكار الأزمة ولا في تضخيمها بل في إدراك أن الاقتصاد والسياسة لم يعودا مجالين منفصلين. فما يحدث في الأسواق ينعكس مباشرة على الاستقرار السياسي وما يُتخذ من قرارات سياسية يحدد مسار الاقتصاد .. في النهاية يبقى التضخم فاعلا سياسيا صامتا لا يُرى بالعين المجردة لكنه حاضر في كل قرار وكل موازنة وكل نقاش عام. والتحدي الحقيقي ليس في إخماد أثره المؤقت بل في بناء سياسات قادرة على تحييده وتحويله من عامل اضطراب إلى درس يعيد التوازن بين متطلبات السوق واحتياجات المجتمع ويؤكد أن الاستقرار السياسي يبدأ من استقرار المعيشة.