السد الإثيوبي… حين تعود السياسة إلى منبع الماء بقلم: شحاته زكريا
ليست قضية السد الإثيوبي مجرد خلاف فني حول ملء وتشغيل ولا نزاعا قانونيا يمكن حسمه عبر نصوص الاتفاقيات وحدها بل هي في جوهرها اختبار حقيقي لقدرة السياسة الدولية على إدارة أحد أكثر الملفات حساسية في الإقليم: ملف المياه. فحين يكون النهر هو شريان الحياة الوحيد لدولة يصبح أي تهديد له مسألة وجود لا تقبل التأجيل أو المساومة .. في هذا السياق تعود واشنطن إلى المشهد من جديد مع حديث متجدد عن اهتمام أمريكي بملف السد في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد تتقاطع فيها ملفات غزة وأمن الشرق الأوسط وإعادة ترتيب موازين النفوذ في إفريقيا. وهو ما يفرض سؤالا مشروعا: هل نحن أمام فرصة حقيقية لتحريك المياه الراكدة في هذا الملف أم مجرد جولة سياسية جديدة بلا نتائج ملموسة؟
التجربة السابقة لا تغيب عن الذاكرة. ففي الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصلت المفاوضات بشأن السد إلى مراحل متقدمة وكادت أن تتوج باتفاق واضح المعالم شارك في صياغته البنك الدولي وراعى بصورة كبيرة المصالح المصرية والسودانية قبل أن تتعثر العملية برفض إثيوبي للتوقيع في اللحظة الأخيرة. وهو ما كشف حينها عن فجوة عميقة بين الخطاب الإثيوبي حول التعاون والممارسة الفعلية على الأرض.
اليوم تعود الولايات المتحدة إلى دائرة الاهتمام بالمنطقة لكن في سياق مختلف. فالعلاقات المصرية–الأمريكية شهدت خلال الفترة الأخيرة زخمًا ملحوظا عززته أدوار مصرية محورية في ملفات إقليمية معقدة من وقف الحرب على غزة إلى منع سيناريوهات التهجير القسري وصولا إلى طرح رؤية متماسكة لإدارة الصراع لا تقوم على الحلول الأمنية وحدها بل على توازن سياسي يحفظ الحقوق ويمنع الانفجار ..هذا الدور المصري لم يكن هامشيا بل جعل القاهرة طرفا لا غنى عنه في أي تصور أمريكي جاد لإعادة الاستقرار إلى المنطقة. ومن هنا، فإن إعادة فتح ملف السد الإثيوبي في هذا التوقيت لا يمكن فصلها عن إدراك واشنطن لثقل مصر الإقليمي ولا عن حاجتها إلى شراكة حقيقية مع دولة تملك مفاتيح التأثير في أكثر من اتجاه.
لكن الرهان الحقيقي لا يجب أن يكون على الوساطة الأمريكية في حد ذاتها بل على كيفية إدارة مصر لهذا الانفتاح السياسي. فالقضية لم تعد فقط الحفاظ على الحصة التاريخية من مياه النيل بل باتت مرتبطة بمتغيرات ديموغرافية واقتصادية تفرض نفسها بقوة. فمصر التي تعتمد بشكل شبه كامل على نهر النيل، تواجه نموا سكانيا متسارعا واحتياجات مائية متزايدة في مقابل واقع مائي ثابت لا يحتمل المغامرة ..في المقابل تمتلك إثيوبيا وفرة مائية كبيرة وتعددا في المصادر، وهو ما يفتح الباب – نظريًا على الأقل – أمام حلول تعاونية حقيقية إذا توافرت الإرادة السياسية. فبدلا من التعامل مع السد كأداة ضغط أو ورقة ابتزاز يمكن تحويله إلى مشروع إقليمي للتكامل يحقق المنفعة للجميع ويخرج الملف من دائرة الصراع الصفري.
وهنا تبرز ورقة مصرية مهمة كثيرا ما يتم تجاهلها: الخبرة. فمصر تمتلك تاريخًا طويلًا في إدارة المنشآت المائية الكبرى، وتملك كوادر فنية قادرة على المساهمة في تشغيل السد بصورة آمنة ومستقرة وهو أمر تعاني منه إثيوبيا فعليا. كما أن التطور الكبير في قطاع الطاقة والكهرباء داخل مصر يفتح آفاقا للتعاون في مجال الربط الكهربائي بما يحول السد من مصدر قلق إلى فرصة تنموية حقيقية.
غير أن نجاح هذا الطرح يظل مرهونا بتغيير جوهري في النهج الإثيوبي وانتقاله من سياسة فرض الأمر الواقع إلى منطق الشراكة الإقليمية. وهنا تحديدا يمكن للدور الأمريكي أن يكون فاعلا إذا قرر أن يمارس ضغطًا متوازنا لا ينحاز لطرف على حساب آخر بل يضع الاستقرار الإقليمي في صدارة أولوياته .. قضية السد الإثيوبي ليست أزمة عابرة بل ملف استراتيجي سيحدد ملامح العلاقات في حوض النيل لعقود مقبلة. وأي حل لا يراعي الحقوق المائية لدول المصب ولا يعترف بأن النيل بالنسبة لمصر ليس موردا بل حياة سيكون حلا هشا قابلا للانفجار.
ربما تكون اللحظة الحالية فرصة نادرة لإعادة ضبط المسار شرط أن تدار بعقل بارد ورؤية بعيدة المدى وإدراك أن المياه مثل السياسة لا تحتمل المغامرة… ولا تعترف بالحلول المؤقتة.
