العالم يبحث عن شركاء.. لا عن أتباع.. بقلم: شحاته زكريا

0

إذا كان هناك درس واحد وحاسم خرجت به العلاقات الدولية من زلازل السنوات الأخيرة فهو أن زمن الشيكات على بياض قد انتهى إلى غير رجعة. تهاوت تلك الحقبة التي كان يُدار فيها العالم بمنطق السيد والتابع أو المركز الذي يملي شروطه والأطراف التي تكتفي بالتصفيق وتلقي الأوامر. المشهد الكوني المشتعل اليوم من أزمات سلاسل الإمداد إلى صراعات الطاقة والممرات المائية وصولا إلى حرب الموانئ والرقائق الإلكترونية أثبت حقيقة قاطعة القوى الكبرى رغم ضخامة ترساناتها وجبروت ميزانياتها، لم تعد قادرة على إدارة الكوكب بمفردها وباتت عاجزة عن فرض إرادتها دون شبكة معقدة من التوافقات الإقليمية الصلبة. العالم اليوم لا يبحث عن أتباع يستنزفون موارده ويشكلون عبئا أخلاقيا وسياسيا عليه بل يبحث عن شركاء حقيقيين يملكون الجغرافيا ويحكمون المعابر ولديهم القدرة على حفظ التوازن وحماية المصالح المشتركة التبعية لم تعد مجدية لأحد لا لمن يمارسها ولا لمن يخضع لها. التابع هش بطبعه يسقط عند أول هزة اقتصادية ويتحول إلى ثغرة أمنية مكشوفة في خاصرة حليفه عند اندلاع أي نزاع إقليمي. أما الشريك فهو الذي يقف على أرضية صلبة ويمتلك أوراق ضغط مادية وتفاوضية لا يمكن إسقاطها من الحسابات. انظر إلى خريطة التحالفات المستجدة لم يعد المعيار هو الولاء الإيديولوجي الأعمى أو الانتماء القسري لمعسكر بعينه بل أصبح المعيار واقعيا وصريحا إلى أقصى حد ماذا تضيف إلى طاولة الاستقرار العالمي؟ هل تؤمن تدفق الملاحة في بحارك؟ هل تمتلك شبكة طاقة وبنية تحتية تربط القارات؟ هل لديك جيش وطني منضبط يضمن أمن الإقليم دون ابتزاز واقتصاد يمتلك مقومات الصمود والإنتاج؟
هذا التحول الجذري في المزاج الدولي يمنح الدول ذات الثقل التاريخي والجغرافي فرصة استثنائية لإعادة صياغة مكانتها. لم يعد مطلوبا ولا مقبولا أن تقف في طوابير الانتظار لتلقي المعونات المشروطة أو التوجيهات الجاهزة. المعادلة انقلبت القوى الدولية الكبرى هي التي تسعى اليوم لخطب ود العواصم التي تملك مفاتيح الممرات اللوجستية وتتحكم في شرايين الغاز والكهرباء وتملك قرارها السيادي المستقل. الشراكة الحقيقية تقوم على قاعدة الند للند وتُبنى على المصالح التبادلية حيث يُقاس وزن الدولة بقدرتها على التفاوض الخشن وتنويع خياراتها الاستراتيجية ورفض سياسات الإملاء ومحاولات عزلها عن محيطها الحيوي.
لكن بطاقة الدخول إلى نادي الشركاء الكبار لا تُمنح كهدية دبلوماسية ولا تشترى بالبيانات الحماسية بل تُنتزع انتزاعا من خلال بناء القوة الذاتية على الأرض. لا يمكن لدولة تعاني من رخاوة بنيتها التحتية أو تعتمد كليا على قوت يومها من وراء البحار أو تغرق مؤسساتها في روتين قاتل أن تدّعي الشراكة المتكافئة. الشريك الموثوق هو الذي يطور موانئه لتنافس أعلى المعايير العالمية ويوطن صناعته لتقليل فواتير الاستيراد ويسرّع وتيرة التحول الرقمي وإدارة موارده بمرونة وجرأة ويحافظ قبل كل شيء على تماسك جبهته الداخلية ووعي مواطنيه بحجم التحديات التي تحيط بهم.
إن فلسفة الشراكة تعني أن نكون جزءا فاعلا في حل أزمات العالم لا مجرد رقم في سجل المتأثرين بها. تعني أن نتحاور مع الشرق والغرب بلغة المصالح العليا المشتركة فنبني المصانع المشتركة، ونربط شبكات التجارة والطاقة ونتعاون في نقل التكنولوجيا وبناء المهارات مع التمسك الصارم بالخطوط الحمراء لأمننا القومي واستقلالية بوصلتنا الوطنية. في عالم اليوم الصوت العالي بلا قوة مادية مجرد ضجيج فارغ والاستسلام لمنطق التبعية موت بطيء للهوية والسيادة نحن نقف في منتصف المسافة بين نظام عالمي قديم يتداعى وقواعد جديدة تتشكل في الميدان. وفي هذه اللحظة بالذات يُفرز التاريخ لاعبيه بدقة متناهية فهناك من يرتضي لنفسه دور التابع الهامشي المنتظر لقدره وهناك من ينهض ليثبت أنه ركن أساسي لا تستقيم معادلة الاستقرار في المنطقة والعالم بدونه العالم الجديد لم يعد يتسع لظلال الآخرين.. المستقبل لمن يقفون في وضح النهار واثقين من قوتهم، مالكين لقرارهم، يتحدثون لغة الفعل لا رد الفعل لأن الكبار يعرفون جيدا أن الأتباع يسقطون مع أول عاصفة بينما الشركاء الحقيقيون هم وحدهم من يعبرون الأزمات ويصنعون التاريخ.