القوة أم الشرعية؟ سؤال يؤرق عالما متعبا بقلم :شحاته زكريا
في عالم يزداد ضجيجا ويقل فيه اليقين يعود السؤال القديم ليطرق أبواب السياسة الدولية بإلحاح جديد: أيهما يصنع النظام ويمنح الاستقرار القوة أم الشرعية؟ ليس السؤال ترفا فكريا بل هو خلاصة ارتباك عالمي يتغذى على الحروب الممتدة والاصطفافات المتبدلة وانكماش الثقة في القواعد التي بُني عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. ما نراه اليوم ليس صراع دول بقدر ما هو صراع سرديات: سردية تقول إن من يملك القوة يملك الحق وأخرى تصرّ على أن الحق وحده هو ما يمنح القوة معناها وحدودها.
على تبدو الشرعية فكرة بسيطة: احترام القانون الدولي حماية المدنيين ، صون السيادة والاحتكام إلى المؤسسات. لكن في الواقع كثيرا ما تتحول هذه المبادئ إلى لافتات ترفع عند الحاجة وتطوى عند أول اختبار قاسٍ للمصالح. حين تستدعى القوة بلا غطاء أخلاقي تقدم باعتبارها ضرورة أمنية أو إجراء استباقيا ثم تتراكم نتائجها على الأرض كديون أخلاقية لا تجد من يسددها. وحين تستدعى الشرعية بلا قدرة على التنفيذ تبدو كبيان جميل بلا أسنان يزيد الإحباط بدل أن يردع الانتهاك .. المعضلة أن العالم تعلم في العقدين الأخيرين أن التفوق العسكري لا يساوي تلقائيا حسما سياسيا وأن الانتصار في المعركة لا يعني كسب السلام. القوة تستطيع كسر توازن ما لكنها نادرا ما تبني توازنا مستداما. تسقط أنظمة نعم لكنها كثيرا ما تسقط معها الدولة أو تفتح فراغا تتصارع فيه قوى أكثر تطرفا وأقل قابلية للتسوية. في المقابل الشرعية وحدها لا تكفي إذا لم تدعم بإرادة وقدرة وإلا تحولت إلى لغة بيانات لا توقف قذيفة ولا تحمي مدينة .. التحولات الجارية في النظام الدولي تزيد السؤال تعقيدا. صعود قوى جديدة تراجع نسبي لهيمنة قديمة وتكاثر ساحات التوتر من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط وآسيا كلها عوامل تُغري بمنطق اليد العليا وتضعف إغراء الالتزام بالقواعد. ومع ذلك فإن كل تجربة تتجاوز الشرعية باسم الضرورة تترك أثرا جانبيا واحدا على الأقل: تقويض الثقة في النظام نفسه. وعندما تتآكل الثقة لا يعود هناك حكم ثابت بل سباق دائم على فرض الوقائع حيث يصبح القانون الدولي شاهدا لا لاعبا.
في هذا السياق يبدو أن السؤال الحقيقي ليس: هل نختار القوة أم الشرعية؟ بل: كيف نمنع القوة من أن تبتلع الشرعية وكيف نمنع الشرعية من أن تتحول إلى غطاء للعجز؟ الإجابة ليست أخلاقية محضة ولا براغماتية خالصة. هي مزيج صعب من الردع والالتزام من القدرة والقواعد من الواقعية التي تعترف بميزان القوى والمبدئية التي تصر على أن الميزان وحده لا يصنع عدالة ولا استقرارا.
التاريخ القريب يقدم دروسا قاسية حيثما غابت الشرعية طال أمد النزاعات وتحوّلت المجتمعات إلى ساحات تصفية حسابات إقليمية ودولية. وحيثما غابت القوة عن حماية القواعد تحولت تلك القواعد إلى نصوص مُهملة. المفارقة أن الطرفين يدفعان الثمن: الأقوياء يكتشفون أن السيطرة المؤقتة لا تشتري قبولا دائما والضعفاء يكتشفون أن الحق بلا سند لا يمنع الانتهاك ولا يوقف النزيف .. العالم المتعب اليوم لا يحتاج إلى شعارات جديدة بقدر ما يحتاج إلى إعادة تعريف للعلاقة بين القوة والشرعية. القوة ينبغي أن تكون أداة حماية للنظام لا بديلا عنه والشرعية ينبغي أن تكون إطارا ملزما لا ديكورا دبلوماسيا. حين تتقدم القوة على الشرعية بلا قيد تفتح أبواب الفوضى المنظمة. وحين تتقدم الشرعية بلا قوة تحميها تفتح أبواب العبث المقنع بالقانون.
ربما تكون الأزمة أعمق من اختيار ثنائي نحن أمام اختبار لمدى نضج السياسة الدولية: هل تستطيع أن تنتج حلولا تراكم الاستقرار بدل أن تراكم الردود المؤقتة؟ هل تستطيع أن تقنع الشعوب بأن القواعد ليست انتقائية وأن العدالة ليست امتيازا جغرافيا أو سياسيا؟ الإجابة ستتحدد في طريقة إدارة الأزمات المقبلة لا في خطابات المؤتمرات.
في النهاية لا يعيش العالم بالقوة وحدها ولا يستقيم بالشرعية وحدها. الاستقرار يولد حين تضبط القوة بقواعد عادلة وحين تحمى القواعد بقوة مسؤولة. بين هذين الحدين يتحدد مستقبل نظام دولي يبحث عن توازن جديد ويبحث قبل ذلك عن معنى يقنع الناس بأن السياسة يمكن أن تكون أكثر من إدارة للصراع… يمكن أن تكون إدارة للأمل أيضا.
