المنطقة الرمادية في العلاقات الدولية بقلم: شحاتة زكريا

35

لم تعد العلاقات الدولية تدار بمنطق الأبيض والأسود ولا بالصيغ الكلاسيكية التي حكمت عالم ما بعد الحرب العالمية الثانيةحيث كانت الاصطفافات واضحة والعدو معروفا والحليف ثابتا. اليوم يقف العالم في مساحة ملتبسة تعرف بـالمنطقة الرمادية وهي مساحة لا حرب فيها ولا سلام لا قطيعة كاملة ولا تحالف صريح لكنها في الوقت نفسه مسرح مفتوح لصراعات النفوذ وتصفية الحسابات وإعادة رسم موازين القوة بوسائل غير مباشرة .. المنطقة الرمادية ليست حالة طارئة بل تعبير عن تحول عميق في بنية النظام الدولي. فالقوى الكبرى لم تعد تميل إلى المواجهة المباشرة لما تحمله من كلفة سياسية واقتصادية وبشرية باهظة لكنها في المقابل لم تتخلّ عن منطق الصراع. وهنا وُلدت أدوات جديدة لإدارة النزاع: العقوبات بدل المدافع الحروب السيبرانية بدل الجيوش الضغط الاقتصادي بدل الاحتلال والرسائل السياسية الغامضة بدل الإعلانات الصريحة. صراع بلا عنوان واضح لكنه أشد تأثيرا وأطول أمدا.
في هذه المنطقة تتراجع مفاهيم السيادة التقليدية وتختبر قدرة الدول على حماية مصالحها دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. فالدول المتوسطة والصغيرة تجد نفسها محاصرة بضغوط متناقضة مطالبة بالانحياز دون ضمانات أو بالحياد دون حماية. الحليف قد يتحول إلى شريك ظرفي والخصم قد يصبح قناة تواصل مؤقتة. كل شيء قابل لإعادة التشكيل وفق منطق المصلحة لا القيم.
الأخطر في المنطقة الرمادية أنها تُربك صانع القرار. فالتهديد لم يعد واضح المعالم ولا يأتي في صورة دبابة تعبر الحدود بل في صورة أزمة طاقة أو اضطراب سلاسل إمداد أو حملات إعلامية منظمة أو تسريبات معلومات تُصيب الثقة في العمق. هنا يصبح التحدي الحقيقي هو القدرة على التشخيص قبل العلاج وعلى قراءة ما بين السطور في خطاب الدول وفهم ما لا يقال بقدر فهم ما يعلن.
وتكشف الأزمات الدولية الأخيرة أن المنطقة الرمادية أصبحت القاعدة لا الاستثناء. فالصراعات الممتدة في أكثر من إقليم تدار تحت عناوين إنسانية أو اقتصادية بينما تختبئ خلفها حسابات جيواستراتيجية دقيقة. التدخل لا يُعلن كحرب لكنه يمارس كضغط طويل النفس يرهق الدول المستهدفة ويستنزف قدرتها على الفعل المستقل دون أن يمنحها ذريعة واضحة للرد .. في هذا السياق لم يعد الحياد سياسة سهلة كما لم يعد الانحياز ضمانة للأمن. فالانخراط الكامل في محاور متصارعة قد يُفقد الدولة هامش المناورة بينما الانسحاب الكامل قد يتركها عرضة للضغط دون سند. ومن هنا تظهر أهمية ما يمكن تسميته بـالدبلوماسية الذكية القادرة على التحرك بين الخطوط وبناء شبكة علاقات متوازنة واستثمار التناقضات الدولية بدل الوقوع ضحية لها.
كما أن المنطقة الرمادية تعيد تعريف مفهوم القوة. فلم تعد القوة العسكرية وحدها معيار التفوق بل باتت القدرة على الصمود الاقتصادي والمرونة السياسية والتماسك الاجتماعي عناصر حاسمة في معادلة الردع. الدولة القادرة على إدارة أزماتها الداخلية بكفاءة تمتلك أوراق تفاوض أقوى في الخارج حتى في ظل بيئة دولية مضطربة.
ولا يمكن تجاهل دور الإعلام والرأي العام في هذا المشهد. فالمعركة في المنطقة الرمادية تُخاض أيضا على مستوى الوعي. الرواية أصبحت سلاحا والمعلومة قد تستخدم كأداة ضغط أو تشويه. ومن لا يمتلك خطابا واضحا ومتزنا قد يجد نفسه متهمًا قبل أن يكون مستهدفا ومعزولا قبل أن تُفرض عليه العقوبات.
في عالم كهذا تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة التفكير في أدوات السياسة الخارجية. لم يعد كافيا امتلاك موقف مبدئي بل يجب امتلاك قدرة على التكيف دون التفريط وعلى المناورة دون فقدان البوصلة. المنطقة الرمادية لا تكافئ الساذجين ولا المترددين بل تمنح فرصا لمن يحسن قراءة التوازنات ويدير خلافاته ببراغماتية واعية دون أن يتحول إلى تابع أو رهينة .. في النهاية المنطقة الرمادية ليست فراغا سياسيا بل ساحة اختبار حقيقية للدول والنخب وصناع القرار. هي مساحة قاسية لكنها واقعية تفرض على الجميع التخلي عن اليقينيات القديمة والاعتراف بأن العالم لم يعد يُدار بالقواعد ذاتها. ومن يدرك طبيعة هذه المنطقة ويجيد التحرك داخلها قد لا يربح المعركة كاملة لكنه على الأقل يضمن ألا يكون أول الخاسرين.