تحت شمس الغد: نكون أو نُصنع.. بقلم: شحاته زكريا
ثمة شعور بالدوار يصيب المتابع لحركة العالم اليوم كتل جيوسياسية تتشكل على مهل خطوط إمداد تنقطع وتعاد صياغتها بين ليلة وضحاها، وذكاء اصطناعي يزحف بخطى واثقة ليعيد تعريف المهن من جذورها فيلغي وظائف كانت بالأمس عصب الاقتصاد ويخلق أخرى لم تكن تخطر على بال أحد. كل صباح تُطالعنا نشرات الأخبار بمصطلحات تتسابق في إشعارنا بالضآلة: أشباه الموصلات، سلاسل القيمة المضافة، تحولات الطاقة، وسيطرة البيانات. نقرأ هذا كله، فننشغل بالسؤال المعتاد والمستسلم: إلى أين يمضي هذا العالم؟ لكن هذا السؤال على بريقه الاستشرافي يحمل في طياته فخا ناعما من التواكل والحياد إنه سؤال المتفرج الذي يجلس في مقاعد المتفرجين يراقب مسرحية كبرى لا يد له في كتابة نصها ولا إخراج مشاهدها. أما السؤال الذي يليق بأمة تملك عمقا وتاريخا وتريد أن تحجز لنفسها مكانا تحت شمس الغد فهو سؤال الفاعلية: ماذا نريد نحن أن نصنع؟
الفرق بين السؤالين هو الفارق بين أن نكون موضوعا للتاريخ أو نكون من صُناعه.طوال عقود استقر في الوعي الجمعي وهمٌ مريح مفاده أن امتلاك الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي كافيان لضمان البقاء وأن الاستيراد بديل سهل عن مشقة الإنتاج طالما أن الأسواق مفتوحة والسفن تمخر العباب. غير أن السنوات القليلة الماضية وجّهت صفعة قاسية لهذا الاطمئنان الكسول فقد كشفت الأزمات المتتالية أن العالم حين يضطرب يغلق كل باب على أهله وأن السيادة لم تعد مجرد راية ترفع أو حدود تحرس بل غدت في جوهرها قدرة المجتمع على إطعام نفسه، وتوليد طاقته، وصناعة دوائه، وتشغيل مصانعه بمهارات أبنائه.ومع ذلك فإن الخطأ الأكبر يكمن في اختزال أزمة الإنتاج في بعدها المادي الصرف أي في اعتبارها مجرد موازنات مالية وأرقام استيراد وتصدير ومبان أسمنتية تُسمّى مصانع. الإنتاج قبل أن يكون أرقاما في دفاتر الحسابات هو حالة أخلاقية وثقافية ونفسية.. لا يبدأ خط الإنتاج الحقيقي في الورشة بل يبدأ في عقل الطفل وهو يتعلم في مدرسته هل يُربى على أن المعرفة أداة لفهم الواقع وتفكيك مشكلاته أم أنها طقس رتيب من الحفظ الآلي ينتهي بمجرد تسليم ورقة الإجابة؟ ويبدأ في نظرة المجتمع إلى قيمة العمل والكدح كيف تحولنا إلى مجتمعات تحتفي بالشهادة الورقية ولو كانت خاوية من أي مهارة وتزدري في الوقت ذاته اليد التي تصنع وتبني وتصلح؟ العالم الجديد لا يلقي بالا لكشوف الدرجات الجافة ولا لألقاب التفاخر الفارغة. إنه عالم بارد وصارم لا يطرح سوى سؤال واحد: ماذا تتقن؟ وما هي القيمة المضافة التي يمكنك تقديمها؟ لقد أثبت الزمن أن شراء التكنولوجيا أسهل جزء في المعادلة أي جهة تملك التمويل تستطيع استيراد أحدث الآلات المعقدة وتثبيتها على أرضها، لكن تلك الآلات تظل كتلا صماء وميتة ما لم ينفث فيها الإنسان المحلي روحه. القيمة لا تولد من بطون الصناديق المستوردة بل من العقل الذي يستوعب فكرة تلك الآلة، ويطورها، ويوطّنها، ويعرف كيف يتجاوز عطلها ثم يبتكر ما هو أرقى منها. هنا يتحول الفني أو المهندس من مجرد مُشغل أجير لتقنية غيره إلى صاحب رأسمال حقيقي قوامه المعرفة والابتكار.
إن قضية التصنيع في بلادنا ليست مسألة رفاهية اقتصادية أو استجابة لتقلبات طارئة في سوق الصرف بل هي مشروع وجودي لاسترداد الروح الوطنية. أن تصنع يعني أن تتحرر من التبعية. أن تصنع يعني أن تعيد للمواطن ثقته بيده وعقله وأن تكسر تلك الهزيمة النفسية المزمنة التي توحي لنا بأننا خُلقنا لنستهلك ما يبتكره الآخرون خلف البحار. التحولات العالمية التي تملأ الأفق اليوم ليست قدرا محتوما يقف المرء أمامه مكتوف اليدين، بل هي نافذة تاريخية نادرة. ففي لحظات الاضطراب وإعادة تشكيل الموازين لا تكون الغلبة بالضرورة للأكثر ثراء بل للأكثر مرونة واستعدادا ولمن يملك شجاعة الاعتراف بنقاط ضعفه ويبدأ بهمة في إصلاح بنيته التحتية والإنسانية.. إن المؤتمرات والاتفاقات والمعاهدات لا تصنع تقدما بمفردها إن بقيت نصوصا على ورق مُذهب قيمتها الوحيدة تبدأ عندما تنزل إلى الواقع فتتحول إلى ورشة صغيرة تتسع، وفكرة بحثية تُختبر، وأرض بور تُزرع، وشاب يكتسب حرفة تصونه وتصون مجتمعه لقد مضى زمن الانتظار. فالمستقبل الذي نخشى تقلباته لن يلتفت إلى ما كنا نردده عن أمجاد الماضي ولن يرحم غفلتنا إن بقينا أسرى الرثاء والشكوى. إنه لن يسألنا عما كنا نحلم بامتلاكه بل سيسألنا عما صنعناه بما توفر بين أيدينا.والسؤال لا يزال شاخصا في وجوهنا ينتظر إجابة تتجاوز الكلمات:
العالم ينفض عنه كل قديم ويُعيد صياغة شروطه.. فما الذي قررنا نحن، بإرادتنا وعرقنا، أن نصنعه؟
