ترامب وإيران… بين هدنة اللحظة وحسابات ما بعدها بقلم: شحاته زكريا

0

في السياسة لا تأتي اللحظات الفاصلة دائما بصوتٍ مرتفع بل أحيانا تتسلل في هيئة قرار مؤقت أو هدنة محدودة تحمل في ظاهرها رغبة في التهدئة ، بينما تخفي في جوهرها إعادة ترتيب لمسرح أكبر. ما جرى بين الولايات المتحدة وإيران في الساعات الأخيرة لا يمكن قراءته باعتباره مجرد وقف لإطلاق النار بقدر ما هو تعبير عن لحظة إدراك متبادل بأن كلفة الانفجار الشامل قد تجاوزت حدود الاحتمال.
إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليق العمليات العسكرية لمدة أسبوعين ، لم يكن مجرد خطوة تكتيكية بل رسالة مركبة موجهة إلى أكثر من طرف وفي أكثر من اتجاه. فحين تطرح شروط تتعلق بمضيق هرمز لا يكون الحديث فقط عن ممر مائي بل عن شريان حياة للاقتصاد العالمي وعن نقطة ارتكاز في معادلة النفوذ الدولي. هنا تتحول الجغرافيا إلى سياسة وتصبح الممرات البحرية أدوات ضغط لا تقل تأثيرا عن الجيوش.. في المقابل لم يكن الموقف الإيراني بعيدا عن هذا الفهم. فقبول التهدئة أو حتى التعامل الإيجابي معها لا يعني بالضرورة تراجعا بقدر ما يعكس قراءة دقيقة للحظة. إيران التي تدرك جيدا طبيعة التوازنات الإقليمية والدولية تعلم أن الصمود لا يعني الذهاب إلى المواجهة المفتوحة دائما بل أحيانا يكون في القدرة على امتصاص الصدمة وإعادة التموضع دون خسارة الصورة أمام الداخل.. وهنا تحديدا تتجلى واحدة من أهم قواعد السياسة الحديثة: إدارة الانطباع لا تقل أهمية عن إدارة القرار. فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره المنتصر أو على الأقل غير الخاسر. الخطاب الموجه للداخل يصبح جزءا من المعركة لا يقل تأثيرا عن التحركات على الأرض. ولهذا تبدو الروايات المتباينة حول شروط التهدئة انعكاسا طبيعيا لصراع لا يزال قائما لكن بأدوات مختلفة.. غير أن الأهم من ذلك كله هو ما تكشفه هذه اللحظة عن طبيعة التحول في إدارة الصراعات. العالم لم يعد يحتمل حروبا طويلة مفتوحة ليس فقط لأسباب إنسانية بل لأن كلفتها الاقتصادية أصبحت باهظة إلى حد يهدد استقرار الجميع. أسواق الطاقة سلاسل الإمداد حركة التجارة… كلها أصبحت عناصر ضغط تدفع نحو احتواء الأزمات لا تفجيرها.. من هنا يمكن فهم التحركات التي سبقت قرار التهدئة. لم تكن مجرد وساطات تقليدية بل جهودا مكثفة لإدراك أن أي تصعيد إضافي قد يخرج عن السيطرة. الدور الذي لعبته أطراف إقليمية وعلى رأسها مصر يعكس إدراكا عميقا بأن استقرار المنطقة لم يعد خيارا بل ضرورة وجودية. فكل اهتزاز في هذه البقعة من العالم يمتد أثره سريعا إلى ما هو أبعد من حدودها.مصر التي تبنت منذ البداية خطابا قائما على التهدئة والحلول السياسية لم تكن تتحرك من منطلق دبلوماسي فقط بل من رؤية استراتيجية تدرك أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمنها القومي وأن الحفاظ على استقرار الممرات البحرية ليس قضية إقليمية بل شأن دولي بامتياز. ولهذا جاء موقفها مرحبا بالتهدئة لكنه في الوقت ذاته محذر من إهدار هذه الفرصة.

لكن هل نحن أمام سلام حقيقي؟
الإجابة بكل واقعية لا تزال مفتوحة.
ما يحدث الآن هو أقرب إلى هدنة ضرورة تفرضها حسابات اللحظة، أكثر مما تعكس اتفاقا نهائيا. فالقضايا الجوهرية لا تزال قائمة: البرنامج النووي الإيراني النفوذ الإقليمي أمن إسرائيل استقرار دول الخليج وحتى شكل النظام الإقليمي القادم. كلها ملفات لم تُحسم بل تم تأجيلها إلى طاولة التفاوض.. وهنا يكمن التحدي الأكبر. فالمفاوضات إن بدأت لن تكون سهلة ولن تكون قصيرة. إنها مفاوضات حول إعادة تعريف التوازن في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم تعقيدا. كل طرف سيدخل وهو يحمل أوراقه ويحاول تحسين شروطه مستفيدا مما تحقق على الأرض أو مما تم تجنبه.
وفي خضم ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن تحويل هذه الهدنة إلى نقطة انطلاق نحو استقرار حقيقي؟
الإجابة تتوقف على قدرة الأطراف على تجاوز منطق تسجيل النقاط،ط والانتقال إلى منطق بناء التوازن. فالعالم لم يعد بحاجة إلى انتصار طرف على آخر، بقدر ما يحتاج إلى صيغة تمنع الانفجار.. في النهاية قد لا تكون هذه اللحظة نهاية لصراع لكنها بالتأكيد بداية لمرحلة جديدة. مرحلة تدار فيها المواجهة بعقلٍ أكثر حذرا وحسابات أكثر تعقيدا.
ففي السياسة لا يُقاس النجاح دائمًا بما تحقق بل أحيانًا بما تم تجنبه.

وهنا… ربما يكون تجنب الحرب هو الانتصار الحقيقي.