تمخضت الجزائر فولدت مشروع “غار جبيلات” .. تكاليف عالية وعائدات محدودة
في الخطاب الرسمي الجزائري، يقدم مشروع غار جبيلات بوصفه التحول الأكبر في تاريخ الاقتصاد الوطني، والمفتاح الذي سيحول الجزائر إلى قوة منجمية عالمية، ويؤسس لعصر جديد من “السيادة الاقتصادية”.
تستدعى أرقام ضخمة، وتضخم الاحتياطيات، وتعاد عبارات من قبيل “مشروع القرن” و”العملاق الصاعد” حتى تكاد تتحول إلى مسلمات سياسية، غير أن هذه المبالغة ذاتها تصبح أول ما يثير الريبة، لأن المشاريع التي تقوم على جدوى اقتصادية متينة نادرا ما تحتاج إلى هذا القدر من التمجيد الاستباقي أو التعبئة الإعلامية الدائمة لتثبيت مشروعيتها.
صفر تخصيب… «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط
أحد المؤشرات الأكثر دلالة على هشاشة المشروع يتمثل في التضخيم الإعلامي الذي تجاوز حدود الترويج إلى حدود الادعاء. لقد نسبت، عبر قنوات رسمية وشبه رسمية، إشادات بالمشروع إلى منابر دولية كبرى مثل “Bloomberg” و”The Wall Street Journal” و”Forbes”، بل وحتى هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS)، غير أن مراجعات مستقلة أظهرت أن هذه المواد لا وجود لها في مصادرها الأصلية، وأن ما جرى تداوله لم يكن سوى اقتباسات مختلقة أو معاد تركيبها محليا ليتحول الأمر إلى فضيحة مدوية.
بعيدا عن الدعاية، تكشف المعطيات التقنية للمشروع صورة أقل إشراقا: خام غار جبيلات ليس خاما عالي الجودة سهل المعالجة، بل خام معقد ترتفع فيه نسبة الشوائب، وعلى رأسها الفوسفور، إذ تشير التقديرات المتداولة إلى أن نسبة الفوسفور قد تصل إلى نحو 0.8%، في حين إن صناعة الصلب عالية الجودة تتطلب نسبا لا تتجاوز في الغالب 0.02%.
هذا الفرق ليس تفصيلا تقنيا، بل عامل حاسم يرفع كلفة المعالجة الصناعية، ويضغط على هامش الربح، ويجعل المنتج النهائي أقل تنافسية مقارنة بخامات أستراليا أو البرازيل. نزع الفوسفور ممكن تقنيا، لكنه يتطلب تكنولوجيات معقدة ومكلفة، ما يحول “الميزة الجيولوجية” المعلنة إلى عبء صناعي دائم.
