حين يصبح السلام مشروعا شخصيا بقلم :شحاته زكريا
ليست كل الأفكار الصادمة جديدة لكن الخطير منها هو ما يبدو بسيطا في طرحه عميقا في آثاره ..فكرة إنشاء كيان دولي بديل يقدم بوصفه منصة للسلام بينما يقوم في جوهره على الإقصاء والانتقاء ليست مجرد اقتراح سياسي عابر بل مؤشر على تحول أخطر في طريقة التفكير في النظام الدولي نفسه .. العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم يبن على أوهام العدالة المطلقة بل على محاولة تنظيم الفوضى .. الأمم المتحدة ومجلس الأمن تحديدا لم يكونا يوما نموذجا مثاليا لكنهما شكلا إطارا جامعا ولو هشا لضبط الصراعات ومنع انزلاقها إلى حروب مفتوحة. ورغم الاختلالات الواضحة في موازين القوة ظل وجود مؤسسة جامعة أفضل – نظريا على الأقل – من منطق التحالفات المغلقة والإرادات الفردية.
اليوم تعود إلى الواجهة أفكار تتجاوز فكرة الإصلاح إلى منطق الاستبدال .. بدلا من تطوير المؤسسات القائمة أو توسيع تمثيلها أو تصحيح اختلالاتها يطرح تجاوزها بالكامل وكأن المشكلة ليست في قواعد اللعبة بل في وجود اللعبة نفسها .. وهنا تكمن الخطورة: حين يصبح السلام كيانا خاصا لا مبدأً عاما .. فكرة أن يختار شخص واحد – أيا كان موقعه من يستحق الجلوس على مائدة السلام ومن يقصى منها تعيد العالم إلى ما قبل القانون الدولي .. إلى زمن كانت فيه الشرعية تمنح من القوي وتسحب ممن يختلف معه.
في هذا النموذج لا تقاس الدول بمدى التزامها بالقانون أو بحقوق الإنسان بل بمدى قربها من مركز القرار.
السلام في جوهره ليس اتفاقا بين الأقوياء بل عملية شاقة لإدارة الاختلاف وحين يبنى على الإقصاء يتحول إلى هدنة مؤقتة لا إلى استقرار دائم فكل كيان يؤسس على فكرة نحن في مواجهة هم يحمل في داخله بذور صراع جديد مهما رفعت فوقه من شعارات براقة .. الأخطر من الفكرة ذاتها هو السياق الذي تطرح فيه.
العالم يعيش أزمة ثقة غير مسبوقة:
ثقة في المؤسسات الدولية في القيادة العالمية في القدرة على إدارة الأزمات الجماعية .. من المناخ إلى الحروب ومن الاقتصاد إلى الأمن تتراجع الحلول المشتركة ويصعد منطق القرار الأحادي باعتباره أسرع وأقل تعقيدا.
لكن السرعة ليست دائما فضيلة.
فالقرارات التي تتخذ خارج الأطر الجماعية قد تبدو حاسمة في لحظتها لكنها غالبا ما تفتقر إلى الاستدامة.
والسلام الذي لا يستند إلى توافق واسع ولا يعترف بتعدد المصالح يبقى سلاما هشا قابلا للانهيار مع أول اختبار حقيقي .. النظام الدولي لا يحتاج إلى نسف بل إلى شجاعة إصلاح .. إلى إعادة تعريف الشرعية وتوسيع دوائر التمثيل والاعتراف بأن عالم اليوم لم يعد يحتمل منطق المنتصر والمهزوم .. الجنوب العالمي والدول النامية والمجتمعات المتضررة من الصراعات لا يمكن أن تظل مجرد متفرج على طاولات تدار من فوق رؤوسها حين يتحول السلام إلى مشروع شخصي يفقد معناه الإنساني ويصبح أداة نفوذ.
وحين تختزل الشرعية في قرار فردي تتآكل فكرة القانون ويعود العالم خطوة إلى الوراء مهما بدا الخطاب حديثا.
ربما لا تكون المشكلة في غياب الأفكار بل في نوعها.
العالم لا يحتاج إلى مجالس جديدة بقدر ما يحتاج إلى إرادة جماعية حقيقية تعترف بالتعدد وتدير الخلاف وتدرك أن السلام لا يمنح بل يبنى .. وفي لحظة عالمية مرتبكة كهذه يصبح السؤال الأهم:
هل نبحث عن سلام يدار… أم عن نظام دولي يصلح؟
