خيوطُ الحقيقةِ في ملفِ “نيباه”.. بين التحركِ العلمي وضرورةِ الوعيِ المجتمعي بقلم: د.ماك شرقاوي

0

في وقتٍ تتسارعُ فيه وتيرةُ التحدياتِ الصحيةِ العالمية، وتتجهُ فيه الأنظارُ نحو بؤرِ الأوبئةِ الناشئة، يبرزُ فيروس “نيباه” كأحدِ الملفاتِ الحيوية التي تستوجبُ القراءةَ المتأنية والتحليلَ الرصين. فبينَ منشئه الحيواني وسُبلِ انتقالهِ للبشر، تُرسمُ ملامحُ معركةٍ علميةٍ كبرى، وقودُها البحثُ المستمر وسلاحُها الوعيُ العام.

جغرافيا الخطر واليقظة الدولية
لم يكن عام 1998 مجردَ تاريخٍ عادي، بل كان لحظةَ اكتشافِ هذا الفيروس بين مربي الخنازير في ماليزيا. ومنذ ذلك الحين، تنقلت بؤرُ الإصابةِ بين بنغلاديش، والفيليبين، والهند التي شهدت في مطلع عام 2026 تحركاتٍ صحيةً مكثفة لاحتواءِ فاشيةٍ جديدة في ولاية “كيرالا”. إنَّ رصدَ هذه الحالات لا يدعو للذعر، بل يؤكدُ على كفاءةِ أنظمةِ الرصدِ الوبائي الدولية التي باتت تمتلكُ “مجساتٍ” دقيقة قادرة على تطويقِ الخطر في مهده.

التشريحُ العلمي للمواجهة
يُصنفُ “نيباه” كفيروسٍ حيواني المنشأ، تتخذه خفافيشُ الفاكهةِ مستقراً طبيعياً لها. وتكمنُ العبرةُ في طرقِ الانتقال؛ حيثُ يلعبُ التلامسُ المباشرُ أو استهلاكُ الأطعمةِ الملوثةِ الدورَ الرئيس. وهنا تبرزُ أهميةُ الثقافةِ الصحية؛ فغسلُ الفاكهةِ جيداً، والابتعادُ عن مصادرِ العدوى، والالتزامُ بقواعدِ النظافةِ الشخصية، ليست مجردَ نصائح، بل هي حائطُ الصدِ الأول الذي يحمي المجتمعات من الانزلاقِ نحو أزماتٍ صحيةٍ كبرى.

أعراضٌ تتطلبُ الانتباه لا الخوف
تتراوحُ فترةُ حضانةِ الفيروس بين 3 إلى 14 يوماً، تظهرُ خلالها أعراضٌ تشبهُ الأنفلونزا في بدايتها، لكنها قد تتطورُ لتؤثرَ على الجهازِ التنفسي والوظائفِ العصبية. ورغم ارتفاعِ نسبةِ الفتكِ في الحالاتِ الحرجة، إلا أنَّ العلمَ يزفُّ لنا بشرى إيجابية؛ فالرعايةُ الطبيةُ الداعمةُ والمبكرة أثبتت فاعليةً كبيرة في تحسينِ فرصِ النجاة، بينما تسابقُ المختبراتُ العالميةُ الزمنَ لتطويرِ لقاحاتٍ ونماذجَ علاجيةٍ واعدة تحت مظلةِ منظمةِ الصحةِ العالمية.

مسؤوليةٌ مشتركة لروحٍ إيجابية
إنَّ مواجهةَ فيروس “نيباه” هي معركةُ وعيٍ بالدرجةِ الأولى. الروحُ الإيجابيةُ تفرضُ علينا ألا ننساقَ خلفَ الشائعاتِ التي تضخمُ الوقائع، بل أن نثقَ في العلمِ والعلماء. إنَّ حصرَ الفاشياتِ في نطاقاتٍ جغرافيةٍ ضيقة هو شهادةُ نجاحٍ للتنسيقِ الدولي، ودعوةٌ لكلِ فردٍ ليكونَ شريكاً في حمايةِ الصحةِ العامة عبرَ الالتزامِ والوعي.

خاتمة المطاف: سيبقى فيروس “نيباه” درساً مستمراً في كيفيةِ تعاملِ البشريةِ مع الطبيعة. وبالوعيِ، والشفافيةِ، والعملِ الجاد، سنظلُ قادرين على اجتيازِ الصعاب. فالصحةُ هي الركيزةُ الأساسيةُ لبناءِ الأوطان، وبالعقلِ المستنير، نصنعُ غداً آمناً ومستقراً للجميع.