د.ماك شرقاوي يكتب : الرباط وواشنطن.. 250 عاماً من العلاقات الممتازة

2

شهدت العاصمة المغربية الرباط احتفالاً بارزاً بمناسبة مرور 250 عاماً على العلاقات المغربية–الأمريكية، وهي من أقدم العلاقات الدبلوماسية التي تربط الولايات المتحدة بدولة أجنبية. المناسبة لم تكن مجرد احتفال بروتوكولي، بل حملت رسائل سياسية واستراتيجية عميقة في ظل التحولات الإقليمية والدولية.

المغرب كان أول دولة اعترفت باستقلال الولايات المتحدة عام 1777، عبر معاهدة الصداقة والسلام الموقعة عام 1786.

هذه المعاهدة تُعد من أقدم الوثائق الدبلوماسية الأمريكية التي لا تزال سارية حتى اليوم.

على مدار القرون، تطورت العلاقات لتشمل التعاون الأمني، الاقتصادي، والثقافي، مما جعل المغرب شريكاً استراتيجياً لواشنطن في شمال إفريقيا.

دلالات الاحتفال
التوقيت: يأتي الاحتفال في ظل تصاعد التوترات بين المغرب والجزائر، ما يمنح الرباط فرصة لإبراز دعم واشنطن لها.

الرمزية: مرور 250 عاماً يؤكد أن العلاقة ليست ظرفية أو مرتبطة بمصالح آنية، بل هي علاقة تاريخية متجذرة.

الرسائل الإقليمية:

للجزائر: أن المغرب يتمتع بغطاء أمريكي قوي في ملفات إقليمية مثل قضية الصحراء الغربية.

للاتحاد الأوروبي: أن المغرب يوازن بين شراكاته الأوروبية والأمريكية.

لدول المنطقة: أن واشنطن ترى في المغرب شريكاً طويل الأمد في الاستقرار ومكافحة الإرهاب.

البعد الاستراتيجي
الأمني والعسكري: المغرب يُعد حليفاً رئيسياً في مكافحة الإرهاب والتعاون الاستخباراتي.

الاقتصادي: العلاقات تشمل اتفاقيات تجارة واستثمارات في مجالات الطاقة والبنية التحتية.

الدبلوماسي: واشنطن تدعم الرباط في المحافل الدولية، خصوصاً في ملف الصحراء الغربية.

خاتمة
الاحتفال بمرور 250 عاماً من العلاقات المغربية–الأمريكية لم يكن مجرد مناسبة تاريخية، بل رسالة سياسية واضحة بأن التحالف بين الرباط وواشنطن مستمر ويتعزز. في ظل التوترات الإقليمية، يسعى المغرب إلى تثبيت موقعه كحليف استراتيجي للولايات المتحدة، بينما تؤكد واشنطن أن شراكتها مع الرباط ليست فقط جزءاً من الماضي، بل رهاناً على المستقبل.

وإليكم مقارنة استراتيجية بين المغرب والجزائر في علاقاتهما مع الولايات المتحدة وروسيا والصين
نظرة عامة
المغرب يتموضع كحليف أطلسي مُنفتح اقتصادياً، يوظّف الاعتراف التاريخي والاتفاقيات لخلق عمق صناعي ولوجستي متصل بأوروبا والولايات المتحدة. الجزائر تعتمد على ثقل الطاقة والقدرة التسليحية الروسية لتثبيت نفوذها الإقليمي، مع انفتاح حذر على الولايات المتحدة والصين لأغراض اقتصادية وبنيوية. الفارق الجوهري: المغرب يراكم شرعية دولية واستثمارات عالية القيمة عبر “التحالفات المؤسسية”، بينما الجزائر تستند إلى “قدرات ردع” وموارد الطاقة لخلق أوراق ضغط.

الولايات المتحدة
المغرب
الرافعة السياسية: إرث الاعتراف المبكر وشراكات دفاعية مثل “الأسد الإفريقي” تعزّز صورة المغرب كركيزة أطلسية في شمال إفريقيا.

الاقتصاد والصناعة: اتفاقية التجارة الحرة تمنح أدوات لدمج المصنعين الأمريكيين في سلاسل القيمة بالمغرب، خصوصاً السيارات، الطيران الخفيف، والطاقات المتجددة.

القضية الصحراوية: موقف أمريكي داعم نسبياً يمنح زخماً ديبلوماسياً، مع استمرار توازن شكلي تجاه الأمم المتحدة.

الجزائر
التعاون الانتقائي: شراكات في مكافحة الإرهاب والطاقة، لكن دون إطار تجارة حرة أو تحالف دفاعي عميق.

حساسية حقوقية وسياسية: حوار متذبذب حول الحريات وملفات إقليمية يُقيد تعميق الشراكة.

توازن في الصحراء: واشنطن تميل لمقاربة أممية تحفظية أقرب لموقف الجزائر مقارنة بالمغرب.

روسيا
المغرب
حضور محدود: انخراط تقني–اقتصادي محدود، وتحييد سياسي لتفادي تعارض مع الشركاء الأطلسيين.

التسليح: اعتماد أكبر على المنظومات الغربية، ما يقلّص الحاجة إلى العمق الروسي.

الجزائر
عمود التسليح: روسيا هي المورد الرئيسي؛ يشمل مقاتلات ودفاع جوي وتدريب وصيانة.

الطاقة والجيوسياسة: تقاطع مصالح في الغاز والنفط يمنح الجزائر نفوذاً مضاعفاً ويعمّق الروابط.

الصين
المغرب
براغماتية صناعية: جذب سلاسل توريد في السيارات والإلكترونيات، واستثمارات في الموانئ واللوجستيات.

الطاقة الخضراء: تمويل ومشاريع في الطاقات المتجددة والهيدروجين، ما يرفع القيمة المضافة وقدرة التصدير نحو أوروبا.

الجزائر
البنية التحتية والطاقة: عقود بناء وتمويل في المرافئ والطرق والطاقة، مع قروض سيادية تعزز النفوذ الصيني.

مقاربة حذرة: الحفاظ على استقلالية القرار الأمني مع استفادة من التمويل والمعدات الصينية في المجالات غير الحساسة.

التداعيات الإقليمية وموازين القوى
الساحل والأمن: المغرب يُسهم في أطر تدريب وتنظيم أطلسية عبر الساحل، بينما الجزائر تفضّل أدوات ردع ودعم مباشر لحلفاء ميدانيين، مستندة إلى حدود طويلة وقدرات تسليح.

الطاقة كورقة نفوذ: الجزائر تمتلك رافعة غازية قوية تجاه أوروبا، في حين يراهن المغرب على دور لوجستي وطاقات خضراء لتأمين نفوذ مستدام طويل الأمد.

الممرات اللوجستية: المغرب ينسّق مع أوروبا وأمريكا والصين في الموانئ وسلاسل القيمة، ما يجعله بوابة أطلسية-متوسطية؛ الجزائر ترفع وزنها عبر مشاريع النقل والطاقة مع روسيا والصين لتثبيت استقلالية الممرات.

الصحراء الغربية: الدعم الأمريكي النسبي للمغرب يقابله ميل روسي–صيني براغماتي للحفاظ على علاقات جيدة مع الجزائر، ما يخلق خرائط نفوذ متقاطعة لا تصل إلى صدام مباشر لكنها تغذي تنافساً طويل الأمد.

سيناريوهات محتملة للعامين القادمين
تعميق الأطلسية المغربية:

المؤشر: توسيع “الأسد الإفريقي”، صفقات تجهيز غربية، تقدم في الهيدروجين الأخضر.

الأثر: تعزيز نفوذ الرباط في الساحل ورفع تنافسيتها الصناعية.

تحصين الردع الجزائري:

المؤشر: تحديث منظومات روسية، عقود طاقة طويلة مع أوروبا وآسيا.

الأثر: قدرة أكبر على ضبط التوازن الحدودي ومناورة ديبلوماسية في ملف الصحراء.

سباق لوجستي–طاقوي متوسط:

المؤشر: تسارع مشاريع موانئ وخطوط نقل وتمويل صيني لكلا البلدين.

الأثر: تنافس هادئ على بوابات العبور المتوسطية نحو أوروبا وإفريقيا.

تثبيت “توازن بارد”:

المؤشر: استمرار الاشتباك الدبلوماسي دون تصعيد أمني مباشر.

الأثر: إدارة تنافس طويلة مع تجنّب كلفة المواجهة.

د. ماك شرقاوي الكاتب الصحفي
و المحلل السياسي المختص بالشأن الامريكي

رابط الحلقة :