في الوقت الذي تتصاعد فيه التوترات بين إيران ودول الخليج العربي، يثير الموقف الشعبي المصري تساؤلات لافتة. فبينما ترى دول الخليج في إيران تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، يظهر في مصر تيار شعبي يتعاطف مع طهران أو على الأقل لا ينظر إليها كعدو. هذا التباين يعكس تداخلات تاريخية وسياسية واجتماعية معقدة، تتجاوز مجرد الاصطفاف الإقليمي.
1. مركزية القضية الفلسطينية
– فلسطين تمثل قضية وجدانية لدى المصريين منذ عقود، إذ ارتبطت بالهوية القومية والنضال العربي.
– إيران نجحت في تقديم نفسها كداعم للمقاومة الفلسطينية، عبر دعم حركات مثل “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، ما عزز صورتها الإيجابية في الوعي الشعبي المصري.
– هذا البعد يجعل كثيرين يغضون الطرف عن خلافاتها مع الخليج، ويركزون على موقفها من إسرائيل.
2. الخطاب الإعلامي والسياسي
– الإعلام المصري الرسمي لا يضع إيران في خانة “العدو الأول”، بل يركز على إسرائيل أو على القضايا الداخلية.
– هذا التوجه يخفف من حدة الموقف الشعبي ضد إيران، ويترك مساحة لتعاطف أو حياد تجاهها.
– في المقابل، الإعلام الخليجي يبرز إيران كتهديد وجودي، ما يخلق فجوة في التصورات الشعبية بين الجانبين.
3. الحسابات الاستراتيجية للدولة
– مصر تتبنى سياسة “الاحتواء” تجاه إيران، إذ ترى أن انهيار النظام الإيراني قد يؤدي إلى فوضى إقليمية واسعة.
– هذا الموقف الرسمي ينعكس على المزاج الشعبي، حيث لا يُنظر إلى إيران كخطر مباشر على الأمن المصري.
– في المقابل، دول الخليج تعتبر إيران خصمًا استراتيجيًا يهدد استقرارها الداخلي وحدودها.
4. البعد الاجتماعي والشعور الشعبي
– بعض المصريين يشعرون أن دول الخليج لم تقدم الدعم الكافي لمصر في أزماتها الاقتصادية والسياسية، ما يضعف التعاطف الشعبي معها.
– هذا الشعور يُترجم أحيانًا إلى ميل رمزي نحو إيران، باعتبارها طرفًا “مقاومًا” في مواجهة الغرب وإسرائيل.
– لكن هذا لا يعني تأييدًا مطلقًا، بل هو موقف انتقائي مرتبط بالتصورات الشعبية أكثر من الحقائق الجيوسياسية.
الموقف المصري الشعبي من إيران ليس كتلة واحدة، بل هو خليط من تيارات قومية، إسلامية، وليبرالية.
– القوميون يرون في إيران قوة إقليمية تواجه الغرب.
– الإسلاميون يركزون على دعمها للمقاومة الفلسطينية.
– الليبراليون غالبًا يتبنون موقفًا أكثر نقدًا لإيران بسبب تدخلاتها الإقليمية.
هذا التنوع يعكس أن التعاطف مع إيران في مصر ليس تأييدًا لعدوانها على الخليج، بل نتيجة أولويات مختلفة: فلسطين أولًا، ثم الحسابات الداخلية، وأخيرًا الموقف من الخليج.
يبقى الموقف المصري الشعبي من إيران معقدًا ومتعدد الأبعاد. فهو مزيج من التعاطف مع المقاومة الفلسطينية، تأثير الإعلام المحلي، وحسابات استراتيجية تتجنب الفوضى. وبينما ترى دول الخليج في إيران تهديدًا مباشرًا، ينظر إليها بعض المصريين من زاوية مختلفة، ما يخلق فجوة في المواقف داخل العالم العربي. ومع استمرار التوترات الإقليمية، سيظل هذا التباين حاضرًا في المشهد السياسي والإعلامي العربي.
د. ماك شرقاوي الكاتب الصحفي
والمحلل السياسي المختص بالشأن الأمريكي
رابط الحلقة :
