ما يحدث ليس مجرد زيارة. إنه اختبار لإعادة رسم نفوذ في القرن الأفريقي، على تماس مباشر مع أمن البحر الأحمر وممرات التجارة التي تُعد شريانًا لاقتصاد مصر.
السياق الاستراتيجي للزيارة والاعتراف
الزيارة تأتي بعد اعتراف إسرائيلي رسمي بـ«أرض الصومال» كدولة مستقلة في ديسمبر 2025، ما حوّل الانخراط من مستوى رمزي إلى مسعى لبناء علاقات ومصالح فعلية مع كيان انفصالي غير معترف به دوليًا.
التوقيت متزامن مع تحركات إفريقية تدعم وحدة الصومال، وبينها اجتماعات مجلس السلم والأمن الإفريقي برئاسة مصر، ما يجعل الزيارة تصعيدًا سياسيًا يضغط على الإجماع الإفريقي بشأن وحدة الأراضي.
الصومال أدانت الزيارة بوصفها “توغلاً غير مصرّح به”، ما يفتح الباب لنزاع قانوني–دبلوماسي حول شرعية التعامل مع إقليم انفصالي دون موافقة الدولة الأم1.
مصالح مصر المباشرة
أمن البحر الأحمر وسواحل القرن الأفريقي: أي تموضع إسرائيلي–أمني أو تقني في الموانئ أو السواحل القريبة من باب المندب يضيف طبقة تعقيد على بيئة الملاحة التي تتعامل معها القاهرة عبر أدوات الردع والدبلوماسية، خاصة في ظل اضطرابات الشحن العالمية2.
الشرعية الإفريقية ووحدة الدول: مصر تستثمر رصيدها داخل الاتحاد الإفريقي ومجلس السلم والأمن لتثبيت قاعدة “عدم تشجيع الانفصال”، والزيارة تقوّض هذه القاعدة، ما يستدعي تحركًا مصريًا نشطًا لحماية السردية القانونية التي تخدم الاستقرار الإقليمي.
توازن النفوذ الخارجي في القرن الأفريقي: دخول طرف جديد بشكل صريح في ملف بالغ الحساسية قد يدفع لاعبين آخرين إلى مزيد من التموضع، وهو ما يُربك مصفوفة العلاقات التي تبنيها القاهرة مع مقديشو، أديس أبابا، وجيبوتي.
الأبعاد القانونية والدبلوماسية
قاعدة عدم الاعتراف بالكيانات الانفصالية: الاعتراف الأحادي بـ«أرض الصومال» يتعارض مع موقف الاتحاد الإفريقي التاريخي الداعم لوحدة الصومال، ويخلق سابقة تسعى دول الإقليم لتجنبها؛ لذا تتحرك القاهرة ضمن الأطر الإفريقية لإعادة تثبيت الإجماع ضد أي شرعنة انفصالية2.
حق مقديشو في التصعيد الدولي: إدانة رسمية وطرح اللجوء إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن يُتيح للصومال مقاربة قانونية تحاجج بأن التواصل مع كيان انفصالي يهدد السلم الإقليمي؛ دعم مصر لهذا المسار يعزّز حجج الشرعية ويقيّد هامش المناورة أمام الخطوة الإسرائيلية1.
الأثر على العلاقات المصرية–الإسرائيلية: الملف يخرج من إطار الثنائية التقليدية (غزة، سيناء، الغاز) إلى مسرح إفريقي؛ مصر ستوازن بين قنوات الاتصال المعروفة والضغط المتعدد الأطراف لتقليل المخاطر دون فتح مواجهة مباشرة غير محسوبة.
التداعيات الإقليمية المحتملة
تعميق الاستقطاب داخل القرن الأفريقي: زيارة بهذا الوزن تُغذي خطاب الانفصال مقابل الوحدة، وتزيد حدة الاستقطاب بين هرجيسا ومقديشو، مع قابلية انتقال التوتر إلى ملفات حدودية وتجارية وأمنية2.
ممرات التجارة وسلاسل الإمداد: أي احتكاك سياسي–أمني قرب باب المندب يرفع المخاطر التشغيلية لشركات الشحن والتأمين، بما يترجم إلى تكاليف إضافية على مصر والمنطقة، وهي حساسة في لحظة اقتصادية متقلّبة عالميًا.
تفاعلات القوى الكبرى: تصعيد بهذا الشكل قد يجذب اهتمام واشنطن، بروكسل، وبكين عبر بوابة “استقرار الملاحة ووحدة الدول”، ما يفتح فرصًا لمصر لقيادة موقف توافقي إن أحسنت إدارة الملف ضمن منصات إفريقية ودولية.
سيناريوهات التحرك المصري القريب
تصعيد مؤسسي عبر الاتحاد الإفريقي: دفع قرار يؤكد وحدة الصومال ويدين التعامل مع كيانات انفصالية، مع ربط ذلك بأمن البحر الأحمر والملاحة، مستفيدًا من رئاسة مصر لاجتماعات السلم والأمن الإفريقي الأخيرة.
تنسيق ثلاثي مع مقديشو وجيبوتي: صياغة مبادرة مشتركة لأمن السواحل والموانئ، تمنح الصومال أدوات عملية وتقلّص الحاجة لفراغات أمنية تستغلها أطراف خارجية.
قناة اتصال هادئة مع تل أبيب: إبلاغ مخاوف محددة و”خطوط حمراء” تتعلق بالأنشطة الأمنية–التكنولوجية في الموانئ والسواحل، مع التذكير بالكلفة الدبلوماسية لهذه الخطوات على ملفات أخرى.
تعزيز الحضور الاقتصادي–التنموي: مشاريع بنية تحتية وموانئ وتدريب خفر السواحل في الصومال بدعم مصري–عربي، لتقوية شرعية مقديشو على الأرض وتحصينها ضد إغراءات الاعتراف الخارجي.
خلاصة مركزة
الزيارة تمثّل محاولة لتثبيت اعتراف خارجي بكيان انفصالي في منطقة حساسة، وتضغط على قاعدة وحدة الدول في إفريقيا2.
مصالح مصر تتقاطع هنا: أمن البحر الأحمر، استقرار القرن الأفريقي، والوضع القانوني للصومال؛ وكلها تتطلب تحركًا متعدد المسارات يوازن بين الضغط المؤسسي والدبلوماسية الهادئة2.
أفضل مكسب لمصر هو تحويل الأزمة إلى فرصة لقيادة موقف إفريقي يعيد ضبط قواعد اللعبة ويقلّص هامش المناورة أمام أي شرعنة لانفصال يهدد الاستقرار الإقليمي.
هل ترغبين في متابعة نقاط التنفيذ العملية خطوة بخطوة (خارطة تحرّك دبلوماسية وإعلامية خلال 30 يومًا)، أم تفضلين مقارنة سيناريوهات المخاطر على الملاحة في البحر الأحمر إذا توسّع التموضع الإسرائيلي في السواحل؟
د. ماك شرقاوي الكاتب الصحفي
والمحلل السياسي المختص بالشان الامريكي
رابط الحلقة :
