روسيا بين القوة الصلبة واستنزاف النفوذ ..بقلم :شحاته زكريا

64

في عالم لم يعد يقيس القوة بما تملكه الدول من سلاح فقط تقف روسيا اليوم عند مفترق دقيق بين ما تستطيع فرضه بالقوة الصلبة وما تستطيع الحفاظ عليه من نفوذ حقيقي فبين دوي المدافع وصمت الدبلوماسية تتكشف مفارقة روسية لافتة دولة لا تزال قادرة على إرباك خصومها عسكريا لكنها تواجه استنزافا متدرجا في قدرتها على التأثير طويل المدى .. منذ سنوات اختارت موسكو أن تجعل من القوة الصلبة أداتها الأساسية في فرض حضورها الدولي. أعادت بناء جيشها وطورت صناعاتها الدفاعية وأثبتت أن لديها استعدادا لاستخدام القوة حين ترى أن مصالحها الاستراتيجية مهددة. هذه الرسالة مهما اختلف التقييم حولها وصلت بوضوح إلى خصومها وحلفائها على حد سواء.

روسيا لم تعد دولة يمكن تجاوزها أو تجاهل حساباتها.

لكن السياسة الدولية لا تدار فقط بمنطق القدرة بل بمنطق الاستدامة. وهنا يبدأ السؤال الأكثر حساسية هل تكفي القوة الصلبة وحدها للحفاظ على النفوذ؟ الواقع يشير إلى أن الإجابة أكثر تعقيدا مما تبدو عليه. فالقوة حين تستخدم بشكل ممتد تتحول من أداة ردع إلى عبء استنزاف ليس فقط للموارد بل للشرعية السياسية والمرونة الدبلوماسية.
الضغوط الاقتصادية التي تواجهها روسيا مهما قيل عن قدرتها على التكيّف ليست تفصيلا عابرا. صحيح أن موسكو نجحت في إعادة توجيه جزء من تجارتها ووجدت مسارات بديلة لكن ذلك جاء بكلفة عالية. الاعتماد المتزايد على أسواق محدودة وتراجع فرص الاستثمار النوعي وتآكل بعض القطاعات الحيوية كلها عوامل تقلص هامش المناورة على المدى المتوسط والطويل .. في الوقت نفسه يعكس المشهد الدبلوماسي تراجعا نسبيا في النفوذ الروسي داخل دوائر كانت تحسب تاريخيا على نطاق تأثيرها. أوروبا التي كانت ساحة التفاعل الأهم أعادت ترتيب أولوياتها الأمنية والسياسية. بعض دول آسيا وأفريقيا رغم استمرار التعاون باتت تنظر إلى العلاقة مع موسكو بقدر أكبر من البراغماتية والحذر سعيا لتوازن لا يضعها في مواجهة مباشرة مع قوى أخرى .. الأخطر من ذلك أن الإفراط في استخدام القوة الصلبة يفرض على الدولة نمطا دفاعيا دائما. حين تصبح كل خطوة محسوبة على أنها مواجهة يتقلص المجال المتاح للمبادرة السياسية. وبدل أن تقود الدولة مسارات التفاوض تجد نفسها في كثير من الأحيان ترد على أزمات أو تدير تداعيات قرارات سابقة ومع ذلك سيكون من التبسيط المخل اعتبار أن روسيا في موقع الانحسار الكامل. فالدولة لا تزال تمتلك أوراقا مهمة: موقع جغرافي لا يمكن تجاوزه موارد طبيعية مؤثرة في أسواق الطاقة والغذاء وخبرة طويلة في إدارة الصراعات المركبة. لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الأوراق إلى نفوذ مستدام لا إلى أدوات ضغط مؤقتة . في السياق الدولي الراهن، لم تعد القوة الصلبة كافية لبناء النفوذ بل باتت أحيانا سببا في تآكله. النفوذ اليوم يقاس بالقدرة على بناء التحالفات وإدارة التوازنات وتقديم نموذج سياسي واقتصادي قابل للتعامل معه حتى من قبل الخصوم. وهنا تواجه موسكو اختبارا بالغ الصعوبة: كيف تنتقل من منطق الصمود إلى منطق المبادرة ومن إدارة المواجهة إلى هندسة التسويات؟
روسيا ليست دولة ضعيفة لكنها دولة مُنهكة استراتيجيا. بين ما تفرضه بالقوة وما تخسره بالتدريج من مساحة تأثير تتحدد ملامح المرحلة المقبلة. فإما أن تنجح في إعادة ضبط أدواتها السياسية وتخفيف الاعتماد المفرط على القوة الصلبة أو تستمر في مسار يبقيها لاعبا حاضرا لكنه أقل قدرة على صياغة قواعد اللعبة.

في النهاية السؤال لم يعد: هل روسيا قوية؟
بل: هل تستطيع هذه القوة أن تتحول إلى نفوذ قابل للبقاء في عالم لا يعترف إلا بمن يملك القوة… والحكمة معا؟