روسيا والغرب… حرب باردة بنكهة القرن الحادي والعشرين بقلم: شحاته زكريا
لم يعد العالم يعيش حربا باردة بالمعنى الكلاسيكي الذي عرفه في النصف الثاني من القرن العشرين لكنه بالتأكيد يعيش نسخة أكثر تعقيدا ومرونة من الصراع ذاته. صراع لا تقاس حدته بعدد الرؤوس النووية فحسب بل بقدرة الأطراف على التأثير في الاقتصاد العالمي والتحالفات الإقليمية وساحات الفضاء السيبراني وأسواق الطاقة. إنها مواجهة ممتدة بين روسيا والغرب تتبدل أدواتها لكن جوهرها يبقى صراع نفوذ ورؤية ونظام دولي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا دخلت العلاقة بين موسكو والعواصم الغربية مرحلة إعادة تعريف كاملة. لم يعد الأمر يتعلق بحدود دولة أو ملف أمني منفرد بل أصبح اختبارا لمعادلة أوسع: من يحدد قواعد النظام العالمي؟ وهل يظل الغرب بقيادة الولايات المتحدة اللاعب المهيمن أم أن روسيا تسعى لفرض توازن قوى جديد يعكس تحولات ما بعد الأحادية القطبية؟
اللافت أن هذه الحرب الباردة الجديدة لا تسير وفق خطوط تماس أيديولوجية صلبة كما كان الحال بين الرأسمالية والشيوعية. اليوم الاقتصاد متشابك والأسواق مترابطة وسلاسل الإمداد عابرة للحدود. ومع ذلك تتصاعد العقوبات وتعاد صياغة التحالفات ويعاد رسم خرائط الطاقة. أوروبا التي اعتمدت لعقود على الغاز الروسي وجدت نفسها مضطرة لإعادة هيكلة استراتيجيتها الطاقوية في زمن قياسي بينما اتجهت موسكو شرقا لتعميق شراكاتها مع قوى آسيوية كبرى.
المواجهة لم تعد عسكرية مباشرة بقدر ما هي صراع استنزاف طويل. العقوبات الغربية تستهدف الاقتصاد الروسي وروسيا ترد بإعادة توجيه صادراتها وتكثيف حضورها في مناطق النفوذ التقليدي وغير التقليدي. وفي الخلفية يدور سباق محموم على كسب مواقف دول الجنوب العالمي التي تحاول بدورها الحفاظ على مسافة متوازنة من الطرفين إدراكا لحساسية اللحظة الدولية .. الفضاء السيبراني يمثل جبهة أخرى للصراع. الهجمات الإلكترونية وحملات التأثير الإعلامي والحرب المعلوماتية أصبحت أدوات يومية في معركة تشكيل الرأي العام وإرباك الخصم. إنها حرب بلا دخان لكنها لا تقل تأثيرا عن الحروب التقليدية.
ورغم التصعيد يدرك الطرفان أن الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين قوى نووية كبرى يظل خطا أحمر. لذلك تستمر لعبة الردع المتبادل بأدوات سياسية واقتصادية وتقنية في توازن هشّ قابل للاهتزاز في أي لحظة.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بروسيا والغرب بل بمستقبل النظام الدولي نفسه. هل نحن أمام عالم يتجه إلى تعددية قطبية حقيقية؟ أم إلى استقطاب ثنائي جديد؟ أم إلى مشهد أكثر سيولة تتداخل فيه القوى الكبرى والمتوسطة في شبكة مصالح معقدة؟ الحرب الباردة الأولى انتهت بسقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفيتي لكنها تركت خلفها نظاما عالميا لم ينجح في تحقيق استقرار دائم. اليوم تعود مفردات الصراع لكن في سياق مختلف: عالم رقمي اقتصاد مترابط رأي عام عالمي سريع التأثر وقوى صاعدة تبحث عن مكانها على الطاولة ..ربما لا يحمل هذا الصراع اسم حرب عالمية لكنه بالتأكيد معركة طويلة على شكل العالم القادم. وفي هذه المعركة لن يكون المنتصر من يملك القوة العسكرية الأكبر فقط بل من يستطيع بناء تحالفات أكثر مرونة واقتصاد أكثر صلابة ورؤية أكثر إقناعا لشعوب تبحث عن الاستقرار لا عن الاستقطاب .. روسيا والغرب اليوم لا يواجهان بعضهما فقط بل يختبران قدرة النظام الدولي على استيعاب التحولات دون الانزلاق إلى فوضى مفتوحة. وبين العقوبات والمفاوضات وبين الردع والرسائل غير المباشرة يبقى العالم معلقا على توازن دقيق: توازن يمنع الانفجار لكنه لا يمنع استمرار البرودة .. إنها حرب باردة بنكهة القرن الحادي والعشرين… أقل وضوحا من سابقتها لكنها أكثر تشابكا وتأثيرا حيث تتداخل السياسة بالاقتصاد والتكنولوجيا بالجغرافيا والطموح القومي بحسابات القوة. وفي عالم سريع التغير يبدو أن هذه المواجهة لن تحسم سريعا بل ستشكل ملامح العقد القادم وربما ما بعده.
