شحاتة زكريا يكتب : النفط والقلق الجيوسياسي… من يدفع الثمن؟

0

في كل مرة تتصاعد فيها التوترات في الشرق الأوسط لا تكون أولى الضحايا هي الجبهات العسكرية بل الأسواق. النفط بوصفه عصب الاقتصاد العالمي يتحول سريعا من سلعة تُحددها قواعد العرض والطلب إلى أداة تعكس حجم القلق الجيوسياسي. ومع التصعيد الأخير في المنطقة يعود السؤال القديم بصيغة أكثر إلحاحا: من يدفع الثمن؟
الواقع أن أسعار النفط لم تعد تتحرك فقط استجابة لنقص فعلي في الإمدادات بل باتت تُسعَّر على أساس التوقعات. مجرد التلويح بتهديد مضيق هرمز أو اتساع رقعة المواجهة بين إسرائيل وإيران كفيل بدفع الأسواق إلى إعادة حساباتها. القلق يسبق الحدث وأحيانا يتجاوز تأثيره هذا القلق لا يظل حبيس شاشات التداول بل ينتقل سريعا إلى الاقتصاد الحقيقي. تكلفة النقل ترتفع وسلاسل الإمداد تتعرض لضغوط والتضخم يجد طريقه إلى الأسواق. الدول المستوردة للطاقة تتحمل العبء الأكبر بينما تجد الدول المنتجة نفسها أمام معادلة معقدة: الاستفادة من ارتفاع الأسعار من جهة والتعامل مع مخاطر عدم الاستقرار من جهة أخرى. لكن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى الدور الأمريكي الذي يظل حاضرا بشكل مباشر أو غير مباشر في إدارة هذه التوازنات. الولايات المتحدة لا تتعامل مع النفط فقط كسلعة اقتصادية بل كأداة نفوذ. قدرتها على التأثير في الأسواق سواء عبر الإنتاج أو السياسة تمنحها مساحة للتحرك في لحظات الأزمات. في هذا السياق تعود سياسات مثل تلك التي ارتبطت بإدارة دونالد ترامب إلى الواجهة حيث كان التركيز واضحا على تحقيق الهيمنة في مجال الطاقة وتقليل الاعتماد على الخارج واستخدام العقوبات الاقتصادية كوسيلة ضغط. هذه المقاربة رغم ما أثارته من جدل أعادت تعريف العلاقة بين السياسة والطاقة وجعلت من النفط عنصرا أكثر اندماجا في الاستراتيجية الأمريكية..اليوم ومع استمرار التوترات تبدو الولايات المتحدة أمام اختبار مختلف. فهي من جهة تسعى إلى احتواء التصعيد لتجنب صدمة اقتصادية عالمية قد تنعكس على الداخل الأمريكي خاصة في ظل حساسية أسعار الوقود بالنسبة للمواطن. ومن جهة أخرى لا يمكنها تجاهل حسابات النفوذ أو التخلي عن أدوات الضغط التي تملكها.. هنا تتقاطع السياسة مع الاقتصاد بشكل واضح. أي ارتفاع حاد في أسعار النفط قد يضغط على الاقتصاد الأمريكي ويؤثر على معدلات التضخم ويعيد ترتيب أولويات صانع القرار. وفي المقابل فإن أي محاولة لخفض الأسعار أو تهدئة الأسواق تتطلب توازنا دقيقا بين الاعتبارات الاقتصادية والسياسية. أما في الشرق الأوسط فإن الثمن لا يقاس فقط بالأرقام. الدول في قلب التوتر تتحمل كلفة مزدوجة: كلفة التصعيد المباشر وكلفة انعكاساته الاقتصادية. حتى الدول غير المنخرطة في الصراع تجد نفسها متأثرة بحكم ارتباطها بأسواق الطاقة والتجارة العالمية. وفي هذا المشهد المعقد يصبح من الصعب تحديد رابح واضح. فارتفاع الأسعار قد يبدو مكسبا مؤقتا للبعض لكنه يحمل في طياته مخاطر تباطؤ النمو العالمي وتراجع الطلب وزيادة الضغوط الاقتصادية على المدى المتوسط.
السؤال الأهم إذن ليس فقط من يدفع الثمن الآن، بل من سيتحمل كلفة استمرار هذا الوضع. الأزمات الممتدة لا تُنهك طرفا واحدا بل تعيد توزيع الخسائر على الجميع. الاقتصاد العالمي الذي لم يتعاف بالكامل من أزمات سابقة يجد نفسه أمام اختبار جديد قد يطول أكثر مما يتوقع البعض. في النهاية النفط ليس مجرد سلعة في زمن الأزمات بل لغة تترجم بها التوترات السياسية إلى أرقام. وكلما ارتفع منسوب القلق ارتفعت معه الأسعار واتسعت دائرة التأثير. قد تختلف الأطراف في مواقعها ومصالحها لكن الحقيقة تظل واحدة:
في عالم مترابط لا يدفع أحد الثمن وحده لكن البعض يدفع أكثر من غيره.