شحاتة زكريا يكتب: ما بعد الضربات .. الرهان الأمريكي على إيران وحدود القوة

0

في واشنطن قد تبدو المواجهة الجارية مع إيران وكأنها خطوة ضرورية لاستعادة الردع وترميم الهيبة الاستراتيجية. غير أن ما يتجاوز لغة الضربات الدقيقة والرسائل الحازمة هو سؤال أكثر عمقا: ماذا تريد الولايات المتحدة حقا من هذه الحرب، وهل تمتلك الأدوات الكافية لتحويل القوة العسكرية إلى نتيجة سياسية مستدامة؟ المواجهة الحالية ليست مجرد حلقة إضافية في سلسلة توترات الشرق الأوسط بل اختبار حقيقي لحدود القوة الأمريكية في عالم يتغير بسرعة. فالنجاح التكتيكي مهما كان واضحا لا يعني بالضرورة وضوحا استراتيجيا. إصابة الأهداف شيء وبناء مسار سياسي مستقر بعد الضربات شيء آخر تماما. والتاريخ القريب يذكر بأن الفجوة بين الاثنين قد تكون واسعة ومكلفة .. إيران ليست دولة هشة تقوم على شخص واحد أو دائرة ضيقة من القيادات. إنها نظام تبلور على مدى أكثر من أربعة عقود يرتكز على مؤسسات أمنية وعقائدية واقتصادية متداخلة اكتسبت خبرة طويلة في التعامل مع العقوبات والضغوط والعزلة. من هنا فإن الرهان على أن الضربات العسكرية وحدها يمكن أن تؤدي إلى تفكك سريع في بنية النظام يبدو تبسيطا مفرطا لمعادلة معقدة. فالضغط الخارجي قد يؤدي في المدى القصير إلى إعادة إنتاج تماسك داخلي تحت شعار الدفاع عن السيادة .. المعضلة الأساسية أمام صانع القرار الأمريكي لا تتعلق بمدى دقة الضربات بل بتحديد الهدف النهائي. هل المقصود تعديل سلوك إيران الإقليمي؟ أم تقليص قدراتها العسكرية؟ أم دفعها إلى تسوية سياسية جديدة؟ أم أن الهدف يتجاوز ذلك إلى تغيير النظام ذاته؟ الفارق بين هذه الأهداف ليس تفصيلا نظريا بل يحدد حجم الانخراط ومدته وكلفته. فكلما اتسع الهدف اتسعت دائرة المخاطر وتعقّدت الحسابات .. ثم إن التوقيت يحمل دلالاته الخاصة. لسنوات أعلنت واشنطن أن أولويتها الاستراتيجية تكمن في إعادة توجيه الاهتمام نحو آسيا ومنافسة الصين. لكن انخراطا عسكريا عميقا في مواجهة إيران قد يعيد تثبيت الشرق الأوسط كجبهة دائمة تستنزف الموارد والوقت السياسي. الاستراتيجية الكبرى تقوم على ترتيب الأولويات وأي انزلاق طويل الأمد في الخليج قد يعيد خلط الأوراق التي سعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى إعادة ترتيبها .. على مستوى الصورة الدولية تواجه الولايات المتحدة تحديا آخر. في عالم لم تعد فيه السردية حكرا على قوة واحدة تقرأ التحركات الأمريكية عبر عدسات متعددة. البعض يراها دفاعًا عن الاستقرار وآخرون يعتبرونها توسيعا لدائرة الصراع في منطقة تعاني هشاشة مزمنة. كلما طال أمد المواجهة ازداد صعوبة الحفاظ على وصفها بأنها عملية محدودة الأهداف. والمصداقية الدولية لا تقاس بالقوة فقط بل بقدرة الدولة على المواءمة بين الوسائل والغايات.
الاقتصاد بدوره ليس بعيدا عن المشهد. أي اضطراب مستمر في الخليج ينعكس سريعا على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد. ارتفاع أسعار النفط أو تكاليف التأمين البحري قد يتحول إلى ضغوط تضخمية داخل الاقتصاد الأمريكي نفسه. وهنا تصبح الحرب رغم بعدها الجغرافي قضية داخلية تمس الناخب العادي. فالسياسة الخارجية قد تدار في غرف مغلقة لكن آثارها تلمس في الحياة اليومية .. أما الحلفاء في المنطقة فقد تغيرت حساباتهم مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقد من الزمن. دول كثيرة تسعى اليوم إلى تنويع شراكاتها بين واشنطن وبكين وموسكو وتتجنب الاصطفاف الحاد. تصعيد طويل قد يضع هذه الدول أمام خيارات صعبة ويدفعها إلى إعادة تقييم درجة اعتمادها على المظلة الأمنية الأمريكية. وفي عالم متعدد الأقطاب لا تكفي القدرة على الضرب للحفاظ على النفوذ بل تصبح الثقة والشراكة عنصرين حاسمين .. في المقابل ليس من المؤكد أن الضغط العسكري سيؤدي إلى تحولات داخلية سريعة في إيران. التاريخ يشير إلى أن الأنظمة التي تواجه تهديدا خارجيا مباشرا قد تستفيد من حالة الالتفاف حول العلم حيث تتراجع الانقسامات الداخلية مؤقتًا أمام الشعور بالخطر. هذا لا يعني أن النظام الإيراني محصن ضد التغيير لكنه يعني أن التغيير إن حدث سيكون نتيجة تفاعلات داخلية معقدة وليس نتيجة مباشرة للضربات .. السيناريو الأكثر خطورة لا يتمثل في هزيمة واضحة أو انتصار حاسم بل في الدخول في حالة استنزاف مفتوح. مواجهة لا تتحول إلى حرب شاملة لكنها لا تنتهي أيضا بتسوية سياسية واضحة. ضربات متبادلة ورسائل عسكرية محسوبة وتوتر دائم قابل للاشتعال في أي لحظة. هذا النمط من الصراعات يستهلك الموارد ويقوض الثقة في استقرار النظام الدولي ويبقي الجميع في حالة ترقب دائم .. في النهاية لا يتعلق الأمر بإيران وحدها بل بمكانة الولايات المتحدة في نظام عالمي يتغير. إذا كان الهدف من المواجهة هو تأكيد القيادة الأمريكية فإن معيار النجاح لن يكون عدد الأهداف التي أُصيبت بل قدرة واشنطن على تحويل القوة العسكرية إلى مسار سياسي قابل للاستمرار. أما إذا تحولت الحرب إلى التزام طويل بلا أفق واضح فقد تعزز الانطباع بأن القوة العسكرية مهما بلغت لا تكفي وحدها لإدارة تعقيدات القرن الحادي والعشرين.
التحدي الحقيقي أمام صانع القرار الأمريكي ليس كسب الجولة الراهنة بل تجنب الوقوع في معادلة يربح فيها معركة ويخسر استراتيجية. وفي الشرق الأوسط كما أثبت التاريخ مرارًا، الفارق بين الاثنين دقيق لكنه حاسم.