شحاتة زكريا يكتب: من يملك مفاتيح الكونجرس… ومن يملك الشارع؟

0

في لحظات التحول الكبرى لا يكون السؤال عن عدد المقاعد بقدر ما يكون عن عمق التأثير. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة أواخر هذا العام يتردد سؤال يتجاوز الحسابات الرقمية: من يملك مفاتيح الكونجرس… ومن يملك الشارع؟
المشهد الأمريكي ليس هادئا كما يبدو في ظاهره. الاستقطاب السياسي بلغ مستويات غير مسبوقة والاقتصاد رغم تعافيه النسبي ما زال يواجه ضغوطا تتعلق بالأسعار والفائدة والدين العام. في هذا المناخ تتحول الانتخابات إلى اختبار مزدوج: اختبار قدرة الأحزاب على حصد الأغلبية داخل United States Congress واختبار قدرتها على كسب ثقة المواطن العادي الذي يشعر بأن السياسة باتت بعيدة عن همومه اليومية .. الكونجرس ليس مجرد مبنى تشريعي بل هو قلب المعادلة السياسية الأمريكية. من يملك أغلبيته يملك تمرير القوانين أو تعطيلها، يملك التأثير في الموازنة العامة في أولويات الإنفاق في سقف الدين وفي مسارات السياسة الخارجية. لذلك يخوض الحزبان الكبيران Democratic Party وRepublican Party، معركة لا تحتمل خسارة سهلة.
لكن المفارقة أن امتلاك مفاتيح التشريع لا يعني بالضرورة امتلاك الشارع. الشارع الأمريكي اليوم أكثر حساسية تجاه القضايا المعيشية وأكثر تأثرا بتدفق المعلومات عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل. الناخب لا ينظر فقط إلى الخطاب السياسي بل إلى أثره المباشر على حياته: هل تحسنت قدرته الشرائية؟ هل توفرت فرص العمل؟ هل يشعر بالأمان في مدينته؟ هذه الأسئلة البسيطة في ظاهرها هي التي تصنع الفارق في صناديق الاقتراع. قد تنجح آلة حزبية منظمة في حشد الأصوات لكن إذا كان المزاج العام يميل إلى التغيير فإن النتائج قد تحمل مفاجآت. والعكس صحيح قد يرتفع الصوت الاحتجاجي في الشارع لكنه لا يتحول إلى أغلبية حقيقية إذا لم يجد ترجمة سياسية واضحة.
الإدارة الحالية في White House تدرك أن فقدان أحد المجلسين سيقيد حركتها التشريعية ويجعل كل مبادرة رهينة للتجاذبات. والمعارضة تراهن على أن الضغوط الاقتصادية وحالة الاستقطاب ستدفع الناخب إلى إعادة توزيع الأوراق. وبين الرهانين يقف المواطن الأمريكي في موقع الحكم .. الولايات المتأرجحة ستكون كلمة السر في هذه المعادلة. هناك لا تحسم النتائج بالشعارات الكبرى بل بالتفاصيل الدقيقة. خطاب يلامس القلق الاقتصادي قد يكون أكثر تأثيرا من خطاب أيديولوجي حاد. ومرشح يركز على هموم مجتمعه المحلي قد يتفوق على آخر يرفع عناوين عامة .. غير أن أخطر ما في المشهد ليس التنافس الحزبي بحد ذاته بل اتساع فجوة الثقة. حين يشعر جزء من المجتمع بأن صوته لا يسمع أو أن نتائج الانتخابات لا تعبر عنه تتآكل الأرضية المشتركة التي تقوم عليها الديمقراطية. لذلك فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بمن يحصد الأغلبية بل بمدى قدرة النظام السياسي على تجديد الثقة في مؤسساته.
البعد الدولي يضيف طبقة أخرى من الأهمية. فنتائج الانتخابات لن تبقى داخل الحدود الأمريكية. الأغلبية التشريعية تؤثر في قرارات تتعلق بالإنفاق الدفاعي وبالمساعدات الخارجية وبطبيعة العلاقات مع القوى الكبرى. من هنا تتابع عواصم العالم هذا الاستحقاق بدقة لأنه يحمل في طياته إشارات إلى اتجاه البوصلة الأمريكية في السنوات المقبلة .. في النهاية السؤال لا يختزل في مقاعد تربح أو تخسر. السؤال الأعمق: هل تتلاقى مفاتيح الكونجرس مع نبض الشارع أم يبقى كل طرف ممسكا بنصف المعادلة؟ إذا اجتمعت الأغلبية التشريعية مع ثقة شعبية واسعة قد تدخل الولايات المتحدة مرحلة أكثر استقرارا. أما إذا استمر الانقسام بين مؤسسات الحكم والمزاج العام فستظل السياسة الأمريكية رهينة شد وجذب لا ينتهي .. هكذا تبدو الصورة سباق هادئ في شكله صاخب في مضمونه. معركة تخاض بالأرقام داخل القاعات وبالمشاعر خارجها. وبين مفاتيح الكونجرس ونبض الشارع يتحدد ليس فقط مستقبل حزب أو إدارة بل اتجاه دولة ما زالت تؤثر في موازين العالم بأسره.