شحاته زكريا يكتب :أمريكا وحسابات الحرب الكبرى .. إدارة الأزمة أم صناعة التوازن؟

0

في لحظات التوتر الكبرى لا تتحرك الدول العظمى بدافع الانفعال بل وفق حسابات دقيقة تزن فيها كلفة الحرب وعوائدها وحدود القوة وإمكانيات الردع. وفي قلب المشهد المتوتر الذي تشهده المنطقة اليوم حيث تتصاعد المواجهة بين إيران وإسرائيل وتتسع دوائر القلق من احتمال إغلاق مضيق هرمز أو اتساع رقعة الصراع تقف الولايات المتحدة في موقع شديد الحساسية تحاول فيه أن تمسك بخيوط الأزمة دون أن تنزلق إلى أتون حرب شاملة .. الولايات المتحدة تدرك أن الشرق الأوسط ليس مجرد ساحة صراع إقليمي بل نقطة تقاطع لمصالح استراتيجية عالمية تتداخل فيها ملفات الطاقة والتجارة الدولية وأمن الحلفاء وموازين القوى الدولية. لذلك فإن كل خطوة أمريكية في هذه اللحظة تحسب بدقة وكل رسالة سياسية أو عسكرية تصاغ بعناية لأن أي خطأ في الحساب قد يدفع المنطقة وربما العالم إلى مرحلة أكثر اضطرابا منذ بداية التصعيد بدا واضحا أن واشنطن تتبع استراتيجية مزدوجة تقوم على مزيج من الردع والاحتواء. فهي من جهة تعلن دعمها الكامل لإسرائيل وتؤكد التزامها بأمن حلفائها في المنطقة ومن جهة أخرى تحاول إبقاء الصراع داخل حدود يمكن السيطرة عليها دون أن يتحول إلى مواجهة إقليمية واسعة قد تخرج عن السيطرة .. هذا التوازن الدقيق يعكس إدراكا أمريكيا عميقا لطبيعة اللحظة. فالدخول في حرب مباشرة مع إيران ليس قرارا بسيطا. مثل هذه الحرب قد تفتح جبهات متعددة تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط وقد تؤثر بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية وعلى استقرار الاقتصاد الدولي في وقت لا يزال فيه العالم يتعافى من أزمات اقتصادية متتالية.
كما أن واشنطن تعرف أن إيران ليست دولة معزولة بالكامل بل لاعب إقليمي يمتلك شبكة معقدة من العلاقات والتحالفات إضافة إلى أدوات ضغط غير تقليدية تمتد عبر مساحات واسعة من المنطقة. وبالتالي فإن أي مواجهة مباشرة قد تتحول إلى صراع طويل ومكلف لا يحقق مكاسب حاسمة لأي طرف من هنا يبدو أن الاستراتيجية الأمريكية الحالية لا تقوم على فكرة الحسم العسكري بقدر ما تقوم على إدارة الأزمة ومنع انفجارها الكامل. فإدارة الصراعات أصبحت جزءا من أدوات السياسة الدولية الحديثة حيث تسعى القوى الكبرى إلى الحفاظ على توازن دقيق يمنع الانهيار الشامل دون أن يفرض بالضرورة حلولا نهائية وفي هذا السياق تلعب الرسائل العسكرية دورا مهما. تحريك حاملات الطائرات وتعزيز الوجود العسكري في بعض القواعد وإطلاق تصريحات حازمة حول حماية المصالح الأمريكية كلها أدوات تهدف إلى إرسال إشارات ردع واضحة دون أن تعني بالضرورة الرغبة في التصعيد لكن إدارة الأزمة لا تعني فقط التحركات العسكرية بل تشمل أيضا الدبلوماسية الصامتة التي تعمل خلف الكواليس. فالتاريخ يعلمنا أن الكثير من الأزمات الكبرى لم تحل عبر التصريحات العلنية بل من خلال قنوات تواصل غير معلنة تسعى إلى تخفيف حدة التوتر وفتح مسارات للتفاهم وفي الوقت نفسه لا يمكن تجاهل أن الولايات المتحدة تنظر إلى الصراع من زاوية أوسع تتجاوز حدود المواجهة الحالية. فالعالم يعيش مرحلة إعادة تشكيل لموازين القوى الدولية حيث تحاول قوى صاعدة مثل الصين وروسيا توسيع نفوذها في مناطق مختلفة من العالم بما في ذلك الشرق الأوسط. لذلك فإن أي تحرك أمريكي في المنطقة يرتبط أيضا بالحفاظ على موقعها في النظام الدولي .. هذه المعادلة المعقدة تجعل من الأزمة الحالية اختبارا حقيقيا للقدرة الأمريكية على إدارة التوازنات الدقيقة. فالمطلوب ليس فقط منع الحرب بل الحفاظ على شبكة التحالفات وضمان استمرار تدفق الطاقة ومنع خصوم واشنطن من استثمار الفوضى لتعزيز مواقعهم ومع ذلك يبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى يمكن الاستمرار في سياسة إدارة الأزمات دون الوصول إلى حلول جذرية؟ التاريخ يشير إلى أن الأزمات التي تُدار دون معالجة جذورها قد تعود للظهور في أشكال أكثر تعقيدا. فالشرق الأوسط منطقة تتراكم فيها التوترات وكل صراع غير محسوم يترك وراءه طبقات جديدة من القلق وعدم الاستقرار لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الولايات المتحدة اليوم لا يقتصر على احتواء الأزمة الراهنة بل يمتد إلى البحث عن صيغة توازن أكثر استقرارًا في المنطقة. توازن لا يقوم فقط على الردع العسكري بل على ترتيبات سياسية وأمنية تقلل من احتمالات الانفجار المتكرر في النهاية تبدو واشنطن وكأنها تسير فوق خيط دقيق بين خيارين صعبين: حرب لا أحد يعرف حدودها أو إدارة أزمة طويلة قد تستنزف الجميع. وبين هذين الخيارين تحاول السياسة الأمريكية أن تخلق مساحة ثالثة مساحة تسمح بالحفاظ على التوازن ومنع الانفجار الكبير.
لكن الشرق الأوسط كما أثبتت تجاربه المتكررة منطقة لا تعترف دائما بالحسابات الدقيقة. ففي لحظة واحدة قد تتغير المعادلات وقد تتحول أزمة قابلة للإدارة إلى مواجهة مفتوحة تعيد رسم خرائط القوة والنفوذ في العالم.