شحاته زكريا يكتب : أمن مصر المائي… معركة بلا دخان
المياه في مصر ليست مجرد مورد طبيعي بل هي قلب الحياة وأساس الأمن القومي. النيل الذي يتدفق منذ آلاف السنين لم يكن يوما مجرد نهر بل كان رابطا حضاريا رمزا لاستمرار الدولة وبقائها ورافعة للاقتصاد والتنمية. ومع تزايد التحديات الإقليمية أصبح كل متر مكعب من المياه أداة سياسية واستراتيجية ليس فقط بين مصر وجيرانها بل على المستوى الإقليمي والدولي.
الصراع على المياه ليس جديدا لكنه اليوم يأخذ أبعادا أكثر تعقيدا. سد النهضة الإثيوبي نموذج حي للتحدي فهو لا يمثل مجرد مشروع للطاقة في دولة مجاورة بل اختبار حقيقي لقدرة مصر على حماية حقوقها المائية والتوازن الإقليمي. كل تفاوض كل اجتماع وكل خطوة قانونية ودبلوماسية، تعكس الصراع بين مصالح الدول وحق الشعوب في البقاء والتنمية.
تاريخيا أدركت مصر أن الأمن المائي مرتبط بشكل مباشر بالأمن السياسي والاقتصادي. فغياب المياه الكافية يهدد الزراعة ويؤثر على الكهرباء ويزيد من الضغط على السكان ويشكل بدوره عاملا اجتماعيا وسياسيا خطيرا. وفي عصر التحولات المناخية والتزايد السكاني تصبح كل قطرة ماء مسألة حياة أو موت ليست فقط على المستوى المحلي بل على المستوى الإقليمي أيضا.
الصراع على المياه امتد ليشمل السياسة الدولية حيث أصبح الأمن المائي عنصرا في العلاقات بين الدول الكبرى. الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة وحتى الدول الأوروبية كلها أصبحت طرفا في هذا الحوار المعقد إذ يدرك الجميع أن استقرار مصر والمنطقة مرتبط بضمان استدامة الموارد المائية. أي اختلال في هذا الملف له انعكاسات مباشرة على الأمن الغذائي والطاقة والاستقرار الاجتماعي ليس لمصر وحدها بل للمنطقة بأكملها.
ومع ذلك لا يقتصر الحل على الصراع أو الضغط السياسي بل هناك فرصة للتعاون الذكي. المشاريع المشتركة الآليات القانونية الدولية والخبرة الفنية الحديثة في إدارة الموارد المائية يمكن أن تحول التحدي إلى فرصة لتعزيز الحوار والتعاون الإقليمي. لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية حقيقية وضمان التزامات ملزمة واحترام حقوق مصر التاريخية في مياه النيل دون مساومة أو تهاون.
الصراع على المياه يعكس أيضا هشاشة بعض السياسات الإقليمية ويظهر ضرورة تطوير استراتيجيات وطنية متكاملة في مصر هذا يعني تحسين إدارة الموارد ترشيد الاستهلاك تطوير البنية التحتية للري وتعزيز التعاون مع المجتمع الدولي. كل هذه الإجراءات ليست رفاهية بل شرط أساسي لحماية الأمن القومي وضمان مستقبل الأجيال القادمة .. من منظور عالمي المياه لم تعد مجرد مسألة بيئية بل أداة نفوذ وسلاح دبلوماسي. الدول التي تتحكم في منابع الأنهار العابرة للحدود تمتلك سلطة تؤثر مباشرة على حياة ملايين البشر وتعيد صياغة ميزان القوى الإقليمي. أما الدول التي تدير مواردها بفعالية وتستثمر التعاون فهي القادرة على تحويل التحديات إلى فرص وتعزيز الاستقرار والتنمية.
اليوم ومع تصاعد التحديات الإقليمية والمناخية يظهر بوضوح أن الأمن المائي أصبح اختبارًا لقدرة الدولة على حماية شعبها. مصر عبر تاريخها الطويل تعلم أن الحفاظ على المياه ليس مجرد إدارة الموارد بل معركة سياسية ودبلوماسية مستمرة. وكل نجاح في هذا الملف يعني استقرارا داخليا وإقليميا وكل فشل سيكون له ثمن كبير.
في النهاية الصراع على المياه ليس مجرد أزمة محلية أو نزاع إقليمي بل اختبار عالمي للأمن، والدبلوماسية، والسياسة الذكية. إنه يختبر قدرة مصر والمنطقة على التوازن بين مصالحها وحقوق شعوبها ويضع الجميع أمام حقيقة واحدة: المياه هي حياة والسياسة هي حماية هذه الحياة. ومن يدير هذا الملف بذكاء يحمي ليس فقط مصالحه بل مستقبل الأجيال القادمة.
المياه إذن ليست مجرد مورد بل أداة قوة ومفتاح استقرار وجسر للحوار الإقليمي والدولي. والرهان الأكبر هو على قدرة مصر على تحويل هذا التحدي إلى فرصة وضمان أن يبقى النيل رمزا للحياة لا ساحة صراع.
