شحاته زكريا يكتب : التحالفات المؤقتة .. زواج مصالح أم هدنة اضطرارية؟

0

في عالم تتغير فيه موازين القوة بسرعة غير مسبوقة لم تعد التحالفات السياسية كما كانت سابقا. لم تعد قائمة على الولاء أو الرؤية المشتركة بل أصبحت انعكاسا لحاجة عاجلة لمواجهة تهديدات محددة أو لتحقيق مصالح مؤقتة. إننا اليوم نشهد ولادة تحالفات يبدو أنها تزهر لأيام قليلة فقط قبل أن تتلاشى أمام رياح المصالح المتغيرة لتترك العالم في حالة شبه دائمة من الترقب وعدم اليقين .. قد يبدو التحالف مؤقتا على الورق لكنه في الواقع يحمل دلالات أعمق. فعندما يتكاتف طرفان أو أكثر لمواجهة أزمة محددة سواء كانت اقتصادية أو عسكرية أو سياسية فإنهم يشتركون في ما يمكن وصفه بالهدنة الاضطرارية اتفاق تكتيكي مؤقت لا يرتكز على ثقة متبادلة بل على الحسابات الدقيقة لكل طرف. هذا النوع من التحالفات يعكس عقلانية القادة في إدارة الأزمات لكنه في الوقت نفسه يكشف هشاشة الروابط بين الدول ويبرز هشاشة النظام الدولي .. التاريخ مليء بأمثلة على تحالفات مؤقتة كانت نتيجتها تغيير جذري في السياسة العالمية. الحرب العالمية الثانية شهدت تحالفا بين قوى لم يكن بينها أي رابط طبيعي مثل الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة ضد تهديد مشترك. وبالرغم من الانتصار المشترك سرعان ما انقلب التحالف إلى منافسة شرسة مع بداية الحرب الباردة. هنا يظهر السؤال المحوري: هل كانت هذه التحالفات مجرد زواج مصالح أم كانت ضرورية لتجاوز خطر أكبر؟ التحالفات المؤقتة اليوم ليست أقل تعقيدا. في الشرق الأوسط كما في مناطق أخرى تتشكل شراكات قصيرة الأجل لمواجهة تهديدات محددة سواء كانت نزاعات مسلحة أو أزمات سياسية أو حتى تحديات اقتصادية. الدول تتعامل مع بعضها البعض بعقلية مفاوض ذكي حيث يتم تقييم كل خطوة بعناية ويحدد الربح والخسارة قبل توقيع أي اتفاق. وهذا النمط من التحالفات يعكس واقعية السياسة لكنه أيضا يضع حدودا للثقة بين الأطراف مما يجعل أي انفصال أو خيانة محتملة أمرا واردا .. على الصعيد العالمي نرى أن التحالفات المؤقتة تتجاوز الإقليمية لتصبح أداة لتعديل موازين القوى. من التحالفات المناهضة للإرهاب إلى الشراكات الاقتصادية بين قوى صاعدة يمكن القول إن التحالف المؤقت أصبح استراتيجية ضرورية أكثر من كونه خيارا. إنه يعكس إدراكا جماعيا بأن الاستقرار لا يتحقق بالتحالفات الطويلة الأمد فقط بل بالقدرة على التكيف مع المتغيرات السريعة .. لكن السؤال يبقى: هل يمكن لمثل هذه التحالفات أن تبني ثقة طويلة الأمد؟ الإجابة غالبا لا. فالتحالف الذي يقوم على مصلحة آنية مهما كان ناجحا في اللحظة يظل معرضا للانهيار عند تغير الظروف أو ظهور مصالح جديدة. وفي هذا السياق تصبح هذه التحالفات أشبه بزواج مصلحي مؤقتيجمع بين الأطراف رغبة في النجاة أو الربح وليس بالضرورة شعورا مشتركا بالولاء أو التفاهم العميق .. ومع ذلك لا يمكن التقليل من قيمة هذه التحالفات في العالم المعاصر. فهي تمنح الدول أدوات مرنة لمواجهة تحديات لا يمكن التنبؤ بها وتتيح فرصة لإعادة ترتيب مواقفها وتحقيق أهداف استراتيجية عاجلة. بالنسبة للمواطنين قد تبدو السياسة أحيانا بعيدة عن حياتهم اليومية لكن هذه التحالفات ولو كانت مؤقتة تؤثر بشكل مباشر على استقرار الاقتصاد الأمن وحتى القيم الوطنية.
في النهاية التحالفات المؤقتة ليست خطأ في السياسة ولا دليلا على الفشل. إنها انعكاس لواقع عالمي سريع الحركة حيث تتغير المصالح وتتبدل التحالفات بسرعة ويصبح البقاء للأكثر مرونة وفهمًا لرهانات اللحظة. السؤال الحقيقي الذي يطرحه هذا النمط السياسي ليس فقط عن نوايا الأطراف بل عن قدرتنا على قراءة السياسة بطريقة أعمق وفهم أن الزمان الذي نعيش فيه يتطلب أحيانا التحالف لأجل النجاة أكثر من التحالف لأجل الولاء.