شحاته زكريا يكتب :الطاقة والقمح والرقائق الإلكترونية.. ثلاثية الصراع العالمي الجديد.

0

لم يعد ميزان القوة في العالم يُقاس بعدد الجيوش أو حجم الترسانات العسكرية فقط بل بات يقاس بقدرة الدول على تأمين ثلاثة مفاتيح أساسية: الطاقة، والغذاء، والتكنولوجيا المتقدمة. هذه العناصر لم تعد ملفات اقتصادية منفصلة بل تحولت إلى أعمدة للصراع الدولي وأدوات ضغط تعادل ما كانت تمثله الأسلحة التقليدية في القرن الماضي الحرب في أوكرانيا لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بل كشفت هشاشة النظام العالمي أمام صدمات تمس مصادر الطاقة والغذاء. منذ اندلاعها شهد العالم موجات حادة من الارتفاع في أسعار الغاز والنفط واضطرابات كبيرة في أسواق القمح. ورغم تراجع الأسعار عن ذروتها فإن تقلباتها المستمرة حتى اليوم تؤكد أن الاستقرار ليس أمرا مضمونا ، وأن أي أزمة صغيرة يمكن أن تهز أسواقا بعيدة آلاف الكيلومترات .. الطاقة اليوم ليست مجرد وقود للصناعة بل ورقة تفاوض قوية. الدول التي تملك فائض إنتاج أو قدرة تصديرية مرنة تمارس نفوذا يتجاوز حدودها الجغرافية. في المقابل الدول المعتمدة على الاستيراد معرضة للضغط والاضطرابات الداخلية عند أي أزمة. التحول نحو الطاقة المتجددة لم ينه الصراع بل أعاده في شكل جديد يرتبط بالمعادن النادرة وسلاسل تصنيع البطاريات وتقنيات الهيدروجين والطاقة النظيفة. النفوذ لم يختفي بل تغيرت أدواته .. القمح رغم بساطته الظاهرية أصبح عنصرا استراتيجيا. اضطراب صادرات الحبوب من البحر الأسود أثبت أن الأمن الغذائي يمكن أن يكون سببا للاحتجاجات واضطرابات سياسية وتأثير على تحالفات وموازنات القوى الإقليمية. الغذاء لم يعد مجرد سلعة بل أصبح جزءا من معادلة الردع الدولي وعنصرا يحرك القرارات السياسية والاقتصادية .. في الوقت نفسه تدور معركة التكنولوجيا الصامتة لكنها أشد تأثيرا. الرقائق الإلكترونية قلب الاقتصاد الحديث تدخل في الصناعات الدفاعية والسيارات، والطائرات، والهواتف، وأنظمة الذكاء الاصطناعي. التنافس بين الولايات المتحدة والصين على السيطرة على هذه التقنيات يحدد موازين النفوذ طويل الأمد. أي خلل في إنتاجها يمكن أن يعطل سلاسل تصنيع عالمية بأكملها ولهذا أصبحت سياسات التصدير والدعم الحكومي وإعادة توطين المصانع أدوات استراتيجية واضحة ..الثلاثية مترابطة بشدة. أزمة الطاقة ترفع تكاليف الزراعة والنقل. اضطراب الرقائق يؤثر على المعدات الصناعية والزراعية. نقص الغذاء يخلق ضغوطا اجتماعية تؤثر على الاستقرار السياسي. العالم اليوم شبكة متداخلة بحيث يمكن لأي صدمة صغيرة أن تمتد آثارها بسرعة عبر قطاعات متعددة ..الصراع الدولي في 2026 لا يتجه نحو مواجهة عسكرية شاملة بل نحو تنافس طويل الأمد على نقاط الاختناق الحيوية في الاقتصاد العالمي. السيطرة على ممر بحري أو تدفق مستقر للطاقة أو احتكار تقنية متقدمة قد يكون أكثر تأثيرا من السيطرة على أرض. القوة اليوم ليست فقط في امتلاك الموارد بل في إدارتها وتأمينها وتنويع مصادرها ..الدول تعيد صياغة استراتيجياتها فالانفتاح المطلق على العولمة لم يعد هدفا بحد ذاته بل أصبح مرتبطا بالحذر وتقليل الاعتماد الأحادي. تتزايد الاستثمارات في المخزونات الاستراتيجية والشراكات المتعددة وإعادة توزيع سلاسل الإنتاج في محاولة لبناء مرونة استراتيجية تحمي الاقتصادات من صدمات المستقبل ..الطاقة تمنح القدرة على الحركة والاستمرار القمح يمنح الاستقرار الاجتماعي والسياسي والرقائق تمنح التفوق والابتكار. هذه العناصر الثلاثة تشكل جوهر الصراع العالمي الجديد. من ينجح في تأمينها يملك هامش مناورة واسعا في النظام الدولي ومن يفشل يظل عرضة للضغط مهما امتلك من أدوات القوة التقليدية ..العالم اليوم أقل صخبا في ظاهره لكنه أعقد في جوهره. معركة النفوذ لم تعد تدار فقط في ساحات القتال بل في حقول الطاقة وأسواق الحبوب ومختبرات التكنولوجيا المتقدمة. إنها معركة طويلة الأمد، عنوانها إدارة الموارد وجوهرها التحكم في مفاتيح الاستقرار والتفوق في آن واحد.