شحاته زكريا يكتب :العالم على حافة القرار… حين تختبر السياسة حدود النار

0

في لحظات بعينها لا يبدو العالم كما اعتدناه تتغير ملامحه بهدوء وتتحول لغة السياسة من حسابات دقيقة إلى نبرة حادة تحمل في طياتها ما هو أخطر من مجرد كلمات. نحن الآن أمام واحدة من تلك اللحظات التي لا تُقاس بخطاب أو تصريح بل بقدرتها على إعادة تشكيل التوازنات التي يقوم عليها النظام الدولي.. ما يحدث اليوم ليس مجرد تصعيد تقليدي بين أطراف متنازعة بل انعكاس لتحول أعمق في طبيعة إدارة الأزمات. هناك ميل متزايد لاختزال المشهد في معادلة القوة المباشرة وكأن العالم لم يعد يحتمل التعقيد أو أن الزمن لم يعد يسمح بالحلول البطيئة التي تعتمد على التفاوض والتدرج. هذا التحول لا يجعل الأزمات أكثر وضوحا بل أكثر خطورة… لأن ما يُدار بالاندفاع يصعب احتواؤه حين يتجاوز حدوده.. في قلب هذا المشهد تقف منطقة الشرق الأوسط لا بوصفها مسرحا للأحداث فقط،دبل كعقدة مركزية تتقاطع عندها المصالح الكبرى. هنا لا يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد ولا الأمن عن الطاقة ولا الجغرافيا عن الحسابات الدولية. أي اضطراب في هذه المنطقة لا يبقى محليا بل يمتد تأثيره بسرعة إلى الأسواق العالمية وإلى قرارات الدول وإلى حياة ملايين البشر الذين لا علاقة لهم بالصراع لكنهم يدفعون ثمنه.. اللافت أن التصعيد لم يعد يحتاج إلى فعل مباشر. مجرد التلويح به كفيل بإرباك المشهد. الأسواق تتفاعل قبل وقوع الحدث وأسعار الطاقة تعكس القلق أكثر مما تعكس الواقع والدول تبدأ في إعادة حساباتها استنادًا إلى ما قد يحدث لا ما حدث بالفعل. هذه الحالة من التوتر المسبق تكشف هشاشة التوازن الحالي وتؤكد أن العالم أصبح أكثر حساسية لأي إشارة مهما بدت محدودة.. لكن ما يثير القلق الحقيقي ليس فقط احتمالات التصعيدبل طبيعة البيئة التي تُصنع فيها القرارات. حين تتراجع مساحات النقاش الهادئوتُختزل الرؤى في مواقف حادةيصبح القرار عرضة للانفعال أكثر من كونه نتاجا لتقدير دقيق. وهنا تتحول السياسة من فن إدارة الممكن إلى مغامرة قد تتجاوز حدود السيطرة.. في المقابلتبرز الحاجة إلى صوت مختلف… صوت يدرك أن القوة لا تُقاس فقط بالقدرة على الرد بل بالقدرة على تجنب المواجهة حين تكون كلفتها أعلى من أي مكسب محتمل. هذا الصوت لا يُعبّر عن ضعف بل عن وعي بطبيعة اللحظة وإدراك بأن العالم لم يعد يحتمل صدمات كبرى جديدة في ظل نظام اقتصادي هش وتحديات ممتدة من الطاقة إلى الأمن الغذائي.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس من الأقوى بل من الأقدر على ضبط الإيقاع. لأن الصراع في صورته الحالية لا يحمل سيناريو واضحًا للنهاية. كل خطوة فيه تفتح احتمالات جديدةوكل تصعيد يخلق مساحة أوسع لعدم اليقين. وفي عالم يقوم على ترابط المصالح فإن أي خلل في نقطة واحدة، يمكن أن يمتد أثره إلى ما هو أبعد بكثير من حدودها الجغرافية.. ربما تبدو الأمور حتى الآن تحت السيطرة أو هكذا يُراد لها أن تبدو. لكن التاريخ يخبرنا أن الأزمات الكبرى لم تبدأ دائمًا بقرارات محسوبة بل كثيرا ما انطلقت من لحظات تقدير خاطئ أو قراءة غير دقيقة لموازين القوى. وهذه هي المفارقة… أن الأطراف جميعها تعتقد أنها تتحرك ضمن حدود آمنة بينما الواقع قد يكون مختلفًا تماما.
في النهاية نحن أمام اختبار حقيقي ليس فقط للقوى الكبرى بل لفكرة النظام الدولي نفسها. هل ما زالت هناك قدرة على إدارة الخلافات دون الانزلاق إلى المواجهة؟ وهل ما زالت لغة المصالح المشتركة قادرة على كبح جماح الصراعات؟
ما يبدو مؤكدا أن العالم يقف الآن في منطقة دقيقة…
منطقة لا تحتاج إلى مزيد من القوةبقدر ما تحتاج إلى قدر أكبر من الحكمة.. لأن الخط الفاصل بين الاستعراض والانفجار…قد يكون أضعف مما نتصور.