شحاته زكريا يكتب :بعد وهم الاستقرار

0

لطالما أحب العالم أن يعتقد أن الاستقرار أمر ممكن وأن المؤسسات والاقتصاد والسياسات يمكن ضبطها لتظل ثابتة رغم كل العواصف. لكن الأحداث الأخيرة أظهرت أن الاستقرار ليس حالة طبيعية بل هو وهم غالبا ما ينهار عند أول صدمة حقيقية. من اضطرابات الأسواق العالمية إلى التوترات الجيوسياسية المفاجئة ومن الأزمات الصحية إلى التحولات التكنولوجية المتسارعة أصبح العالم يعيش في زمن تبدو فيه أي لحظة هادئة قصيرة العمر وأي تصور للثبات هشا أمام الواقع .. هذا الوهم يترك بصمة على الجميع: الحكومات، الشركات، والأفراد على حد سواء. السياسات الاقتصادية التي كانت تعتبر ناجحة لم تعد تكفي لمواجهة التضخم المتسارع والأزمات المالية التي كانت تدار بخطط محكمة تصطدم فجأة بعوامل خارجية غير متوقعة. الدول التي اعتمدت على اعتماديات خارجية لتأمين الطاقة والموارد تعلمت الدرس بالطريقة الصعبة: أن الاستقرار المزيف لا يحمي من صدمات الأسواق ولا من تحولات الجغرافيا السياسية .. الدرس الأول من انهيار وهم الاستقرار هو أن العالم لا ينتظر أحدا. الاعتماد على الماضي أو على حلول مؤقتة أصبح مكلفا أكثر من أي وقت مضى. السياسات والقرارات التي لا تتكيف بسرعة مع الواقع الجديد تتحول إلى أعباء والأمم التي تتجاهل إشارات التحذير تفقد القدرة على المناورة. الحكمة اليوم تكمن في التنبؤ قبل أن تقع الأزمة وفي التحرك المبكر بدلا من الانتظار والارتجال.
من زاوية اقتصادية يشير هذا الوهم إلى هشاشة الاقتصادات المعولمة. سلاسل الإمداد العالمية التي كانت تعتبر مثالا على الكفاءة تكشفت على أنها عرضة للانقطاع عند أي اضطراب جيوسياسي أو كارثة طبيعية. الأسواق المالية التي كانت تعتبر مؤشرات على الاستقرار أصبحت مرآة للقلق الجماعي. والنتيجة واضحة: الاستعداد والتخطيط أكثر أهمية من الاعتماد على ماض يعتقد أنه ثابت .. أما على الصعيد الاجتماعي فإن وهم الاستقرار يولد شعورا زائفا بالأمان. المواطنون الذين يعيشون في أوهام الاستقرار قد يجدون أنفسهم فجأة أمام تغيرات كبيرة في حياتهم اليومية: فقدان الوظائف، ارتفاع الأسعار، ضغوط معيشية غير متوقعة. وهنا يبرز دور الوعي والمرونة الفردية: القدرة على التكيف تعلم مهارات جديدة والمشاركة في صنع القرارات سواء على مستوى المجتمع أو مكان العمل هي من أهم أدوات مواجهة عالم غير مستقر .. التكنولوجيا أيضا لعبت دورا مزدوجا في هذا السياق. فهي من جهة تمنح قدرة هائلة على الإنتاج والمعرفة والتواصل لكنها من جهة أخرى تضاعف سرعة التغيير وتجعل من الاستقرار شبه مستحيل. الذكاء الاصطناعي ، التحول الرقمي ، والابتكارات المستمرة تعيد رسم أسواق العمل ، وطرق الإنتاج وحتى طريقة تعاملنا مع المعلومات. الدول والشركات التي استجابت مبكرا واستثمرت في مهارات المستقبل كانت الأقدر على تحويل هذا التحول إلى ميزة بينما تأخرت أخرى في مواجهة الواقع الجديد .. الدرس الأكبر هو أن وهم الاستقرار ليس مجرد فشل في التخطيط بل اختبار لقدرة الإنسان على فهم الواقع والتصرف بذكاء. الاستقرار الحقيقي لا يبنى على وهم الهدوء بل على الوعي بالتهديدات والاستعداد للتغير والقدرة على إعادة الهيكلة بسرعة ومرونة. الأمم التي تفهم هذا تتحرك نحو مستقبل أكثر أمانا بينما تلك التي تصر على التمسك بالأوهام تخاطر بفقدان مكانتها وقدرتها على التأثير.
في النهاية يمكن القول إن بعد وهم الاستقرار يظهر فرصة حقيقية: فرصة لإعادة تقييم الأولويات لإعادة بناء السياسات الاقتصادية والاجتماعية ولتعزيز المرونة الفردية والجماعية. العالم لم يعد مكانا يضمن الثبات لكنه مكان يمنح الفرصة لمن يقرأ الإشارات ويستعد للتغيرات ويحول التحديات إلى أدوات للنمو. الاستقرار الحقيقي يبدأ بالفهم ويستمر بالتصرف وينمو بالإرادة الواعية والمشاركة الفاعلة.
العالم بعد وهم الاستقرار لم يعد كما كان ومن يختار التكيف والوعي هو من يضمن مستقبله ومن يبقى أسير الأوهام سيجد نفسه فجأة خارج اللعبة.