شحاته زكريا يكتب : بين التهدئة والتصعيد… المنطقة تعيش أخطر اختبار
في لحظة تبدو فيها المنطقة وكأنها تقف على حافة فاصلة لا يعود السؤال: هل هناك أزمة؟بل يصبح السؤال الأهم: إلى أي اتجاه تمضي؟ التصعيد لم يعد احتمالا بعيدا… والتهدئة لم تعد خيارا سهلا. نحن أمام مشهد إقليمي معقد تتشابك فيه الجبهات وتتداخل فيه الحسابات حيث لا يمكن قراءة حدث بمعزل عن الآخر. من غزة إلى البحر الأحمر ومن التوتر مع إيران إلى اضطراب الممرات البحرية تتشكل لوحة جديدة لا تخضع لقواعد الصراع التقليدي لكن وسط هذا المشهد تبرز قوة رئيسية تحاول أن تمسك بخيوط اللعبة دون أن تنخرط بالكامل: الولايات المتحدة الأمريكية. واشنطن اليوم لا تريد حربا شاملةلكنها في الوقت ذاته لا تقبل بخسارة نفوذها.
هذه هي المعادلة الأكثر تعقيدا فمن ناحية تدرك الإدارة الأمريكية أن أي انفجار واسع في المنطقة سيحمل تداعيات اقتصادية عالمية يصعب احتواؤها بدءا من أسعار الطاقة وصولا إلى استقرار الأسواق الدولية ومن ناحية أخرى لا تستطيع أن تبدو ضعيفة أمام حلفائها أو خصومها خاصة في لحظة تشهد إعادة تشكيل لموازين القوى العالمية ولهذا تتحرك الولايات المتحدة في مساحة ضيقة بين الردع والاحتواء.تعزز وجودها العسكري في المنطق وترسل رسائل حازمة لكنها في الوقت نفسه تفتح قنوات دبلوماسية وتحاول إبقاء التصعيد تحت السيطرة.
إنها سياسة إدارة الأزمة… لا حلها.
لكن المشكلة أن الأزمات الحالية لم تعد قابلة للإدارة التقليدية فالمنطقة لم تعد ساحة لصراع ثنائي واضح بل شبكة معقدة من الفاعلين حيث تتحرك قوى إقليمية بأجندات مستقلة وتتصاعد أدوار الفاعلين غير الدوليين وتتداخل المصالح بشكل يجعل أي خطأ في الحسابات قابلا للتضخم بسرعة وهنا يظهر التحدي الأكبر. الولايات المتحدة لا تواجه خصمًا واحدًا يمكن احتواؤهبل تواجه واقعًا متغيرا تتراجع فيه قدرتها على فرض إيقاع الأحداث كما كان في السابق.ففي ظل صعود قوى دولية أخرى وتزايد استقلالية القرار الإقليمي لدى بعض الدول لم تعد واشنطن اللاعب الوحيد القادر على رسم المشهد ومع ذلك تظل حاضرة… ومؤثرة… لكن ليس بالشكل المطلق الذي اعتادت عليه.
هذا التراجع النسبي في الهيمنة لا يعني غياب الدور بل يعكس تحولا في طبيعته. من التحكم الكامل… إلى إدارة التوازنات”. لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن:
هل يمكن إدارة هذا الكم من التوترات دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع؟ التاريخ يقول إن الأزمات الكبرى لا تنفجر عادة بسبب قرار واحد بل نتيجة تراكمات… وسوء تقدير… وردود فعل متبادلة وهذا ما يجعل اللحظة الحالية شديدة الحساسية. فكل طرف يتحرك وفق حساباته الخاصة
لكن النتيجة النهائية لا تخضع لإرادة طرف واحد.
وفي هذا السياق يصبح دور القوى الإقليمية بما فيها مصر، بالغ الأهمية.فالدول التي تمتلك رؤية متزنة، وخبرة في إدارة الأزمات قادرة على لعب دور في احتواء التصعيد وفتح مسارات للحلول حتى في أكثر اللحظات تعقيدا.
الهدوء في زمن الصخب ليس ضعفا بل قوة محسوبة.
وفي النهاية تبقى الحقيقة الأكثر وضوحا:.أن المنطقة لا تعيش أزمة عابرة…بل تمر باختبار حقيقي لقدرتها على التوازن. اختبار بين التصعيد الذي قد يفتح أبوابا يصعب إغلاقها والتهدئة التي تحتاج إلى إرادة سياسية صلبة… وصبر استراتيجي. أما الولايات المتحدة فستظل تحاول الإمساك بالخيوط…لكنها تدرك ربما أكثر من أي وقت مضى
أن خيوط اللعبة لم تعد كلها في يدها.وهنا… يكمن جوهر المشهد. منطقة تتحرك على حافة التوتر وقوى دولية تحاول إدارة ما لا يمكن السيطرة عليه بالكامل وبين هذا وذاك…
يبقى المستقبل مفتوحا على كل الاحتمالات.
