شحاته زكريا يكتب :حين يتحول الصمت إلى سياسة… من يعرّف العدالة الآن؟

0

في لحظات الأزمات لا تكشف الدول عن قوتها فقط بل تكشف عن بوصلتها الأخلاقية. ما يحدث اليوم ليس مجرد فصل جديد في صراع معقد بل اختبار حقيقي لما إذا كان العالم لا يزال يميز بين القانون والعدالة أم أن الاثنين باتا شيئا واحدا يُعاد تشكيله وفق موازين القوة.. في البيانات الرسمية تبدو اللغة منضبطة: اعتبارات أمنية، ردود فعل ، ضرورات استراتيجية. لكن خلف هذه العبارات تتشكل حقيقة أكثر إرباكا: هناك ما يشبه اعتيادا تدريجيا على إجراءات كانت تعد في وقت قريب صادمة وغير مقبولة. وعندما تتحول السياسات المتعلقة بالأسرى من إطار إنساني إلى معادلة أمنية بحتة فإن السؤال لم يعد سياسيا فقط… بل أخلاقيا في المقام الأول.. التاريخ كان واضحا دائما في التمييز بين القوة والعدالة. يمكن للقوة أن تفرض واقعا لكن العدالة وحدها تمنح هذا الواقع شرعيته. وعندما تغيب تتحول القوانين إلى أدوات فاقدة للثقة مهما بدت محكمة الصياغة. القضية اليوم لا تتعلق بطرف بعينه بل بالسابقة التي تصنع: إذا أصبح التعامل مع الأسرى خاضعا لإعادة تعريف تحت ضغط الصراع فإن الحواجز التي كانت تحمي كرامة الإنسان تبدأ في التآكل.. لوقت طويل قدمت المؤسسات الدولية نفسها كحارس لهذه القيم. من الأمم المتحدة إلى المنظمات الحقوقية كان الوعد واضحا: هناك خطوط لا يمكن تجاوزها مهما كانت الظروف. لكن هذا الوعد يواجه اليوم اختبارا صعبا. حين تتأخر ردود الفعل أو تأتي انتقائية يصبح السؤال مشروعا: هل هذه المعايير ثابتة… أم أنها تتغير حسب الجغرافيا والمصالح؟ هنا تتعمق الأزمة. لأن الصمت في مثل هذه اللحظات لا يُقرأ كحياد بل كقبول ضمني أو على الأقل كاستعداد لغض الطرف. وفي عالم تتشابك فيه المصالح والصراعات يصبح لهذا الصمت أثر يتجاوز حدود الحدث نفسه.. الولايات المتحدة بوصفها فاعلا رئيسيا في النظام الدولي تجد نفسها في قلب هذا الجدل. خطابها طويلا ما ارتكز على الدفاع عن القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وهو ما صنع توقعات عالمية لدورها. لكن القيادة لا تعني فقط التأثير بل تعني أيضا تحمل عبء التناقض حين يظهر. وعندما تتباعد الممارسات على الأرض عن المبادئ المعلنة يصبح هذا التناقض أكثر وضوحا وأكثر إرباكا.. ومع ذلك فإن اختزال المشهد في اتهامات مباشرة قد لا يفسر كل شيء. فالمنطقة تعيش حالة من التداخل المعقد بين الأمن والسياسة والاقتصاد حيث تُتخذ القرارات تحت ضغط التوقعات والتخوف من التصعيد. لكن حتى في أكثر اللحظات تعقيدا تظل هناك قواعد أساسية كانت تُعتبر خطا أحمر… أبرزها التعامل مع الأسرى.. المشكلة ليست فقط فيما يحدث الآن بل فيما يمكن أن يترتب عليه لاحقا. فالسوابق لا تبقى في مكانها بل تنتقل وتستخدم وتعاد صياغتها. ما يُبرر اليوم في سياق معين قد يصبح غدا مبررا في سياقات أخرى. وهكذا تتغير القواعد ليس بقرار واحد بل بتراكم القبول.. وهنا يبرز السؤال الأهم: ماذا يختار العالم أن يدافع عنه؟ لأن المصداقية لا تُبنى بالتصريحات بل بالاتساق. وإذا أصبحت القيم تُطبق بشكل انتقائي فإنها تفقد معناها تدريجيا.. لا يزال هناك مجال لتصحيح المسار لكن ذلك لا يتم بالشعارات بل بالوضوح والمساءلة. إعادة التأكيد على المبادئ التي شكلت أساس النظام الدولي ليست ترفا بل ضرورة لمنع مزيد من التآكل.. في النهاية القضية ليست قرارا بعينه بل المسار الذي يتشكل من خلاله العالم. عالم تحكمه قواعد ثابتة… أم عالم تتغير فيه المعايير مع تغير موازين القوة.. لأن أخطر ما في هذه اللحظة… ليس فقط ما يحدث بل ما يمكن أن يصبح عاديا بعدها. وحين يتحول الصمت إلى سياسة… تصبح العدالة هي أول الخاسرين.