شحاته زكريا يكتب :سياسة الأعصاب الهادئة في زمن الصراخ الدولي
في لحظات التوتر الكبرى ترتفع الأصوات وتشتد لغة التهديد وتتحول السياسة أحيانا إلى ساحة من الصراخ المتبادل بين القوى المتصارعة. لكن التاريخ يثبت أن الدول التي تنجح في عبور العواصف ليست بالضرورة الأكثر ضجيجا بل غالبا الأكثر هدوءا في حساباتها والأكثر قدرة على ضبط أعصابها وسط الفوضى ما تشهده المنطقة اليوم من تصاعد في التوتر بين إيران وإسرائيل مع انخراط مباشر أو غير مباشر للولايات المتحدة يعكس واحدة من أكثر اللحظات حساسية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. فالتصعيد لم يعد مجرد مناوشات سياسية أو رسائل دبلوماسيةبل بات يحمل أبعادًا عسكرية واقتصادية قد تمتد تأثيراتها إلى ما هو أبعد من حدود الإقليم الشرق الأوسط تاريخيا منطقة لا تحتمل كثيرا من الشرارات. فالتوازنات فيها دقيقة والتحالفات معقدة والمصالح الدولية متشابكة إلى حد يجعل أي تصعيد محدود قابلا للتحول إلى أزمة أوسع إذا لم يتم احتواؤه بسرعة وحكمة ومن هنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته بسياسة الأعصاب الهادئة وهي ليست سياسة سلبية أو انسحابية كما قد يظن البعض بل هي في جوهرها أسلوب متقدم في إدارة الأزمات يقوم على قراءة دقيقة للمشهد، وتجنب الانجرار وراء ردود الفعل المتسرعة التي قد تزيد الموقف تعقيدا.
ففي أوقات الأزمات الكبرى تصبح الحكمة السياسية أكثر أهمية من الانفعال ويصبح الحساب الدقيق للخطوات أكثر قيمة من التصريحات الحادة التي قد تحظى بتصفيق مؤقت لكنها تترك وراءها آثارًا طويلة المدى ما يحدث بين إيران وإسرائيل يعكس نموذجا لصراع يتجاوز البعد العسكري المباشر. فهو في جانب منه صراع نفوذ إقليمي وفي جانب آخر رسالة ردع متبادلة بينما يقف العامل الدولي حاضرا بقوة من خلال الدور الأمريكي وحسابات القوى الكبرى.
الولايات المتحدة رغم دعمها الواضح لإسرائيل تدرك أن توسع دائرة الصراع في الشرق الأوسط قد يخلق تداعيات تتجاوز الإقليم. فالعالم يعيش أصلا مرحلة من التوترات المتعددة من الحرب في أوروبا إلى المنافسة الاستراتيجية بين القوى الكبرى في آسيا. وأي انفجار واسع في الشرق الأوسط قد يضيف عبئا جديدا على نظام دولي يعاني أصلا من قدر كبير من الهشاشة أما إيران فهي تدرك بدورها أن الصراع المباشر واسع النطاق قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرار المنطقة وعلى اقتصادها الداخلي خاصة في ظل العقوبات والضغوط الاقتصادية التي تواجهها منذ سنوات وفي هذه المساحة الضيقة بين التصعيد والحسابات تتحرك السياسة الحقيقية. فالكثير مما يحدث في مثل هذه الأزمات لا يجري فقط في العلن بل في قنوات دبلوماسية هادئة ورسائل غير مباشرة ومحاولات مستمرة لمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وهنا تظهر أهمية الدور الذي تلعبه الدول القادرة على الحفاظ على قدر من التوازن والهدوء في مواقفها. فالدبلوماسية في أوقات الأزمات لا تكون مجرد بيانات سياسية بل تصبح أداة لاحتواء التوتر وفتح مسارات للحوار حتى في أصعب الظروف الشرق الأوسط مر خلال العقود الماضية بموجات متتالية من الصراعات التي أثبتت أن الحروب قد تبدأ بسرعة لكنها غالبا ما تترك وراءها سنوات طويلة من عدم الاستقرار. ولهذا فإن الحكمة السياسية في هذه اللحظة لا تكمن في رفع سقف التهديدات بل في البحث عن الطرق التي تمنع توسع دائرة المواجهة في عالم تتسارع فيه الأخبار والتصريحات قد يبدو الهدوء أحيانا أقل جاذبية من الخطاب الصاخب. لكن الدول التي تفكر في المستقبل تدرك أن إدارة الأزمات تحتاج إلى أعصاب باردة أكثر مما تحتاج إلى كلمات حادة فالسياسة في جوهرها ليست فن التصعيد الدائم ، بل فن تجنب الكوارث حين يصبح خطرها قريبا. ولهذا فإن اللحظة الراهنة في الشرق الأوسط تمثل اختبارا حقيقيا لقدرة القوى الإقليمية والدولية على إدارة التوتر دون أن يتحول إلى صراع مفتوح. فالعالم اليوم لا يحتاج إلى حرب جديدة بقدر ما يحتاج إلى عقلانية سياسية تدرك أن الاستقرار مهما بدا هشا يظل أقل كلفة بكثير من الفوضى. وفي زمن يعلو فيه الصراخ الدولي قد تكون السياسة الأكثر تأثيرا هي تلك التي تتحدث بهدوء… لكنها تفكر بعمق وتتحرك بحساب.
