شحاته زكريا يكتب :طهران وموازين القوة الجديدة

0

لم تعد طهران مجرد عاصمة لدولة إقليمية في الشرق الأوسط بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى عقدة مركزية في شبكة معقدة من التوازنات الدولية والصراعات الجيوسياسية. فكل ما يحدث في إيران اليوم لم يعد شأنا محليا أو حتى إقليميا فحسب بل أصبح جزءا من معادلة أكبر تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى وتتداخل فيها حسابات الأمن والطاقة والنفوذ .. في عالم يتغير بسرعة لم تعد موازين القوة تقاس فقط بالجيوش التقليدية أو الحدود الجغرافية بل باتت ترتبط بقدرة الدول على التأثير في محيطها الإقليمي وإدارة الأزمات وامتلاك أوراق ضغط استراتيجية. وفي هذا السياق استطاعت إيران أن تفرض نفسها لاعبا لا يمكن تجاهله سواء اتفق معها العالم أو اختلف.
فمنذ سنوات طويلة بنت طهران سياستها الخارجية على فكرة توسيع دوائر التأثير خارج حدودها المباشرة، مستندة إلى مزيج من الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية. وقد أدى هذا النهج إلى تشكيل شبكة معقدة من التحالفات والامتدادات الإقليمية التي جعلت أي صراع في الشرق الأوسط مرتبطا بدرجة أو بأخرى بالحسابات الإيرانية.
لكن ما يجري اليوم يتجاوز حدود النفوذ الإقليمي التقليدي. فالتوترات المتصاعدة، والضغوط الدولية، والتشابكات العسكرية غير المباشرة كلها عوامل دفعت إيران إلى قلب المشهد العالمي حيث لم يعد الصراع حولها مجرد خلاف سياسي بل أصبح اختبارا حقيقيا لمعادلات الردع والاستقرار في المنطقة .. وفي هذا السياق يمثل الملف النووي الإيراني أحد أبرز عناصر التوتر. فبالنسبة لطهران يُنظر إلى هذا الملف باعتباره جزءا من سيادتها الوطنية وحقها في تطوير قدراتها التكنولوجية. أما بالنسبة للقوى الغربية فيُنظر إليه باعتباره تحديا لمعادلة الأمن الإقليمي واحتمالا لسباق تسلح جديد في الشرق الأوسط .. وبين هاتين الرؤيتين يتشكل صراع معقد يتجاوز مجرد برنامج نووي ليصل إلى سؤال أكبر يتعلق بطبيعة النظام الدولي نفسه: هل يستطيع العالم إدارة التنافس بين القوى دون الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة؟
ومع تصاعد التوترات في المنطقة أصبحت إيران نقطة تقاطع لعدة أزمات في آن واحد. فالأزمة ليست عسكرية فقط وليست اقتصادية فقط وليست سياسية فقط. إنها مزيج من كل ذلك وهو ما يجعل التعامل معها أكثر تعقيدا.
فمن جهة تواجه إيران ضغوطا اقتصادية هائلة نتيجة العقوبات الممتدة منذ سنوات والتي أثرت بوضوح على الاقتصاد الداخلي ومستوى المعيشة. ومن جهة أخرى تسعى القيادة الإيرانية إلى الحفاظ على موقعها الإقليمي وعدم الظهور بمظهر الدولة التي تتراجع تحت الضغط وهنا تكمن المفارقة. فكلما زادت الضغوط زادت أيضا رغبة طهران في إثبات قدرتها على الصمود وهو ما يخلق دائرة متصاعدة من التوتر حيث تتحول كل خطوة إلى رسالة سياسية وكل تحرك إلى اختبار جديد لمعادلات القوة لكن الحقيقة الأعمق أن ما يحدث حول إيران يعكس تحولات أوسع في بنية النظام الدولي. فالعالم لم يعد يعيش مرحلة الهيمنة المطلقة لقوة واحدة بل يتجه تدريجيا نحو نظام أكثر تعقيدا تتنافس فيه عدة قوى على إعادة رسم موازين النفوذ وفي مثل هذا السياق تصبح مناطق مثل الشرق الأوسط مسرحا لتقاطع المصالح الكبرى حيث تتحول الأزمات المحلية إلى قضايا عالمية وتصبح القرارات الإقليمية جزءا من حسابات دولية أوسع لهذا لم تعد طهران مجرد لاعب في معادلة الشرق الأوسط بل أصبحت عنوانا لصراع أكبر حول شكل النظام العالمي القادم. فالصراع حول إيران ليس فقط صراعاحول برنامج نووي أو نفوذ إقليمي بل هو أيضا صراع حول حدود القوة وقواعد الردع ومستقبل التوازن الدولي وربما لهذا السبب تحديدا تتجه أنظار العالم اليوم إلى طهران. فهناك في قلب هذه المدينة التي تحمل تاريخا طويلا من التحولات السياسية تتقاطع مسارات متعددة من الأزمات والطموحات والمخاوف والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط ما الذي ستفعله إيران بل ما الذي سيفعله العالم معها. لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد ليس فقط مستقبل المنطقة بل أيضا شكل التوازنات الدولية في السنوات القادمة.