شحاته زكريا يكتب :من إدارة الأزمات إلى إدمان الأزمات

0

لم يعد العالم اليوم يعيش من أزمة إلى أخرى بل يعيش داخل الأزمة كحالة دائمة. كأن السياسة الدولية اكتشفت فجأة أن الأزمات لم تعد مجرد اختبارات طارئة بل أصبحت أسلوب حكم، وأداة إدارة، وموردا سياسيا وإعلاميا لا ينضب. لم نعد نرى نهاية واضحة لحرب ولا حلا جذريا لانهيار اقتصادي ولا تسوية نهائية لصراع مزمن. كل شيء يبدو مؤجلا معلقا قابلا للاشتعال في أي لحظة وكأن العالم دخل مرحلة جديدة يمكن تسميتها: عصر إدمان الأزمات
في الماضي كانت الأزمات تعامل بوصفها استثناء يهدد النظام القائم ويستدعي تعبئة سياسية ودبلوماسية واقتصادية من أجل احتوائها وإنهائها. كانت هناك على الأقل نية معلنة لإغلاق الملف، وطي الصفحة، والعودة إلى الوضع الطبيعي.

أما اليوم فقد تغير المنطق. لم تعد الأزمة حدثا طارئا بل أصبحت بيئة عمل كاملة تدار داخلها السياسة وتصاغ فيها القرارات وتبنى عليها الحملات الانتخابية وتبرر بها الإجراءات الاستثنائية .. الأخطر من ذلك أن كثيرا من القوى السياسية لم تعد ترى في الأزمة مشكلة يجب حلها بل فرصة يجب استثمارها. فالأزمة تمنح شرعية للتأجيل وتبريرا للفشل ومظلة جاهزة لتسويق القرارات الصعبة أو غير الشعبية. تحت شعار الظروف الاستثنائية يمكن تمرير سياسات لم يكن من السهل تمريرها في أوقات الاستقرار ويمكن خفض سقف التوقعات وإعادة تعريف النجاح
ليصبح مجرد تجنب الأسوأ .. الإعلام بدوره لم يخرج من هذه الدائرة. بل يمكن القول إنه أصبح أحد محركاتها الأساسية. فالأزمة خبر جذاب والتوتر مادة يومية قابلة للتدوير والخوف وقود لا ينفد لعناوين ساخنة ونقاشات لا تهدأ. ومع الوقت لم تعد التغطية تلاحق الحلول بقدر ما تلاحق التصعيد ولم يعد السؤال المركزي هو كيف نخرج من الأزمة؟ بل كيف نبقيها حيّة على جدول الاهتمام العام؟. هكذا يتحول القلق إلى منتج والتوتر إلى عرض دائم والكارثة إلى موسم مفتوح .. في السياسة الدولية تبدو الصورة أوضح.

حروب بلا نهايات واضحة صراعات مدارة لا تحسم توترات تخفف حينا وتشعل حينا آخر بحسب ميزان المصالح لا منطق الحل. العالم لا يتحرك نحو تسويات شاملة بقدر ما يدير خطوط اشتعال منخفضة أو متوسطة الكثافة تضمن بقاء الملفات مفتوحة والضغط قائما وأوراق التفاوض صالحة للاستخدام في أي لحظة .. حتى الاقتصاد العالمي لم يعد يبحث عن استقرار طويل الأمد بقدر ما يتكيّف مع منطق الطوارئ الدائمة. أزمات مالية اضطرابات في سلاسل الإمداد تضخم مخاوف ركود…

كلها أصبحت جزءا من المشهد اليومي تدار بالأدوات نفسها: تدخلات مؤقتة، حلول ترقيعية، ومسكنات تؤجل الانفجار ولا تمنعه. وكأن الهدف لم يعد بناء نظام أكثر توازنا بل إبقاء النظام القائم قابلا للاستمرار رغم كل تصدعاته .. المشكلة الحقيقية في إدمان الأزمات أنه يعيد تشكيل وعي المجتمعات نفسها.

حين يطول أمد القلق يتطبع الناس معه. ينخفض سقف الطموح وتتآكل فكرة الحل الجذري ويصبح أقصى ما يطلب من السياسة هو إدارة الخطر لا إزالته. ومع الوقت يتحول الاستثناء إلى قاعدة وتصبح الإجراءات الطارئة جزءا دائما من الحياة العامة ويعاد تعريف الطبيعي على مقاس الأزمة .. في هذا السياق تفقد السياسة أحد أهم أدوارها: صناعة الأفق. بدل أن ترسم طريقا للخروج من المأزق تكتفي بتنظيم السير داخله. بدل أن تبني سردية للمستقبل تدير الخوف من الحاضر.

وبدل أن تقنع الناس بإمكانية التغيير تدربهم على التعايش مع الانسداد .. الأخطر أن هذا النمط يغري الجميع: السياسي لأنه يمنحه هامش مناورة دائم والإعلام لأنه يوفر له مادة لا تنتهي وبعض الجمهور لأنه يبرر الإحباط ويخفف عبء الأمل. هكذا تتكوّن دائرة مغلقة: أزمات تدار بدل أن تحل وواقع يعاد إنتاجه باسم الواقعية ومستقبل يؤجل باسم الحكمة .. لكن التاريخ يعلمنا أن الأزمات التي لا تحل لا تختفي بل تتراكم. وأن الملفات المؤجلة لا تبقى معلقة إلى الأبد بل تعود في لحظة ما أكثر تعقيدا وأعلى كلفة. إدارة الأزمة قد تكون ضرورة مؤقتة لكن تحويلها إلى أسلوب دائم للحكم هو وصفة مؤكدة لاستنزاف المجتمعات وتآكل الثقة وانفجار المفاجآت ..ربما السؤال الأهم اليوم ليس: كيف ندير الأزمات بذكاء؟ بل: كيف نكسر هذا الاعتياد الخطير عليها؟ كيف نستعيد فكرة أن السياسة وجدت لتقليل منسوب الخطر لا لتنظيمه ولصناعة الحلول لا لتدوير الأزمات؟ الإجابة ليست سهلة لكن المؤكد أن عالما يدمن الأزمات لا يمكنه أن يبني مستقبلا… بل يكتفي فقط بتأجيل انهياراته.