شحاته زكريا يكتب :من يحكم العالم اليوم؟ عندما تصبح القوة والقرار في قفص الشكوك

0

لطالما كانت مسألة من يحكم العالم؟ موضوعا للتأمل والنقاش الفلسفي لكنها اليوم لم تعد مجرد سؤال نظري أو فرضية تحليلية. في يناير 2026 يبدو العالم أكثر تعقيدا وأكثر فوضوية وأقل قابلية للتوقع بحيث صار السؤال يفرض نفسه بصوت أعلى من أي وقت مضى. فليس هناك قوة واحدة ولا قيادة مركزية ولا قواعد ثابتة كما عرفناها سابقا. ما نراه هو شبكة متشابكة من تأثيرات متبادلة وقرارات تدار في غرفة الإنعاش الاستراتيجي لكل دولة.
القوة التقليدية لم تعد وحدها معيار السيطرة. الولايات المتحدة التي كانت رمزًا للقيادة العالمية تواجه تحديات لم تعد تقاس فقط بالقوة العسكرية أو الاقتصادية بل بالقدرة على الحفاظ على التحالفات وتحريك الأوراق الدبلوماسية بذكاء. أوروبا رغم مواردها وقوتها الاقتصادية تتصارع مع الضغوط الداخلية والخارجية فتجد نفسها في موضع المتفرج غالبا أو على أفضل تقدير اللاعب المؤثر غير القائد. روسيا بجيشها ومواردها تحاول الحفاظ على حضور مؤثر لكنها تخوض سباقا ضد الزمن والضغوط الاقتصادية والسياسية حيث يصبح النفوذ أكثر هشاشة من القوة الصلبة نفسها. والصين رغم صعودها الثابت لا تزال تراعي حساسية تحركاتها في مواجهة الغرب وأطراف إقليمية قوية.
لكن السؤال الجوهري لا ينحصر في القوى الكبرى فحسب بل يمتد إلى طبيعة السلطة نفسها. العالم اليوم لم يعد مكانا تدار فيه الأمور من موقع واحد أو رؤية واحدة. هناك تدفقات نفوذ غير متكافئة تحالفات مؤقتة قرارات تتخذ تحت ضغط الوقت والظروف وأزمات تتراكب بوتيرة غير مسبوقة. القوة اليوم ليست فقط من يمتلك السلاح أو الاقتصاد بل من يستطيع إدارة التعقيد وتحويل المواقف العنيفة إلى مساحة تفاهم أو توازن ولو مؤقت.
في هذا السياق كثير من الدول الصغيرة والمتوسطة تلعب أدوارا غير متوقعة مستفيدة من الفراغات أو التناقضات بين اللاعبين الكبار. القوى الإقليمية تجد نفسها أحيانا أكثر قدرة على التأثير من القادة التقليديين عبر المرونة والتحالفات الذكية أو التحرك السريع. وهكذا يتحول الحكم العالمي من مفهوم قيادة مركزية إلى شبكة معقدة من النفوذ المؤقت والتوازنات المتغيرة.
الأخطر من كل ذلك هو أن هذا التحول لا يُترجم دائما إلى استقرار أو وضوح. ففي عالم تحكمه الشكوك يصبح كل قرار استراتيجي رهينة للسيناريوهات الممكنة وأي خطوة محسوبة يمكن أن تتحول إلى عبء في اللحظة التالية. بالتالي ما نراه ليس قوة متماسكة تسيطر بل قدرة متذبذبة على التأثير غالبا مرتبطة بالحظ بالوقت وبالقدرة على قراءة المعادلات قبل فوات الأوان.
من هنا يمكن القول إن العالم اليوم ليس محكوما من دولة واحدة أو تحالف ثابت بل من القدرة على التكيّف السريع وإدارة الضغوط وتحويل الهشاشة إلى نفوذ. القوة التقليدية صلبة لكنها بلا مرونة تصبح عبئا. النفوذ السياسي مرن لكنه بلا موارد أو قدرة ردع يصبح هشا. التحدي لكل لاعب صغيرًا كان أو كبيرا هو إيجاد النقطة التي تجمع بين الصلابة والمرونة بين القوة والقدرة على التأثير المستمر.
في النهاية السؤال من يحكم العالم؟ لم يعد سؤالا عن أشخاص أو دول بل عن آليات صنع القرار في عالم معقد، حيث كل قوة تُختبر باستمرار وكل تحالف مؤقت وكل قرار يحمل كلفة أعلى من المكاسب المباشرة. القيادة اليوم ليست امتلاكا للسلطة فحسب بل امتلاكا للوعي بما يمكن تغييره وما يجب تقبله وما لا يزال خارج السيطرة. ومن يفهم هذا التحول يصبح أكثر قربا من الإجابة الحقيقية حتى لو ظل الاسم على الخارطة غامضا.
العالم اليوم ليس ملكا لأحد لكنه يدار لمن يعرف كيف يحول التعقيد والفوضى إلى موطئ قدم استراتيجي. ومن لا يفهم هذه الحقيقة سيظل يبحث عن الحاكم المفترض ويغفل عن الدقائق الصامتة التي تصنع فيها اللعبة حقا.