شحاته زكريا يكتب : من يدير المشهد في المنطقة… الداخل أم الخارج؟
في خضم التصعيد المتسارع بين إسرائيل وإيران وما يحيط به من توترات إقليمية متشابكة يعود السؤال القديم بثوب جديد: من يدير المشهد في الشرق الأوسط اليوم؟ هل ما زالت القوى الخارجية هي الفاعل الرئيسي كما جرت العادة لعقود طويلة أم أن الفاعلين المحليين باتوا يمتلكون زمام المبادرة بشكل أكبر؟ الإجابة لم تعد بسيطة كما كانت في السابق. فالمشهد الحالي يعكس تداخلا معقدا بين الداخل والخارج حيث تتقاطع الإرادات، وتتشابك المصالح، بشكل يجعل من الصعب الفصل بين من يقود ومن يستجيب.
على مدار عقود ارتبطت ديناميكيات الشرق الأوسط إلى حد كبير بتوازنات القوى الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي لعبت دورا محوريا في رسم ملامح الأمن الإقليمي سواء من خلال التحالفات العسكرية، أو التواجد المباشر، أو التأثير السياسي والاقتصادي. لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذا الدور وإن ظل مؤثرا لم يعد الوحيد ولا الحاسم بالقدر ذاته. التصعيد بين إسرائيل وإيران يقدم نموذجا واضحا لهذا التحول. فبينما تظل الولايات المتحدة حاضرة دعما لحليفها الإسرائيلي وحرصا على عدم انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة فإن إيقاع التصعيد ذاته يبدو في كثير من مراحله مدفوعا بحسابات إقليمية مباشرة.
إسرائيل تتحرك وفق اعتبارات أمنية واستراتيجية خاصة بها تسعى من خلالها إلى تحجيم ما تعتبره تهديدا متصاعدا. وفي المقابل تدير إيران شبكة معقدة من الأدوات والنفوذ الإقليمي تعتمد فيها على مزيج من الردع غير المباشر والرسائل متعددة المستويات. في هذا السياق لا تبدو الولايات المتحدة كمن يدير المشهد بقدر ما تسعى إلى ضبط إيقاعه. هناك فرق بين القيادة الكاملة للأحداث وبين محاولة منعها من الخروج عن السيطرة. واشنطن تدرك أن أي انزلاق نحو مواجهة واسعة قد يترتب عليه تداعيات تتجاوز حدود المنطقة سواء على مستوى الطاقة أو الاقتصاد العالمي أو حتى التوازنات الدولية الأوسع. لكن في المقابل لا يمكن تجاهل أن الفاعلين الإقليميين أنفسهم لم يعودوا مجرد أطراف تتلقى التوجيه. بل أصبحوا أكثر قدرة على المبادرة، والمناورة، وفرض الوقائع على الأرض.
هذه الديناميكية الجديدة تعني أن القرارات لم تعد تُصنع في العواصم الكبرى فقط بل أيضا داخل المنطقة نفسها حيث تتفاعل الاعتبارات الأمنية، والضغوط الداخلية، والتنافسات الإقليمية. الأمر لا يقتصر على طرفي الصراع المباشر. فدول المنطقة الأخرى بدرجات متفاوتة تسعى إلى حماية مصالحها وتجنب الانخراط في صراعات مفتوحة مع الحفاظ في الوقت ذاته على علاقاتها مع القوى الدولية. هذا التوازن الدقيق يعكس إدراكا متزايدا بأن الاعتماد الكامل على الخارج لم يعد خيارا مضمون النتائج. في الوقت ذاته تبرز أدوات جديدة لإدارة الصراع. لم تعد المواجهة العسكرية التقليدية هي الوسيلة الوحيدة بل هناك حروب ظل تُدار عبر الفضاء السيبراني، والعمليات المحدودة، والضغط الاقتصادي، والتأثير الإعلامي. هذه الأدوات تسمح للأطراف المختلفة بتحقيق أهدافها دون الوصول إلى نقطة الانفجار الشامل لكنها في الوقت نفسه تبقي المنطقة في حالة توتر مستمر.
السؤال الأهم هنا ليس فقط من يدير؟ بل كيف يُدار؟
هل نحن أمام نظام إقليمي جديد يتشكل، يقوم على تعددية في مراكز القرار؟ أم أن ما يحدث هو مجرد مرحلة انتقالية قبل أن تعود قوة مهيمنة لفرض قواعد أكثر وضوحا؟
الواقع يشير إلى أننا أمام مرحلة هجينة لا يزال للخارج دور حاسم خاصة في ما يتعلق بمنع التصعيد الكبير واحتواء الأزمات وتوفير مظلات أمنية. لكن في المقابل أصبح للداخل قدرة أكبر على التأثير في مسار الأحداث سواء من خلال المبادرات المباشرة أو عبر خلق حقائق جديدة تفرض نفسها على الجميع. هذا التداخل يخلق بيئة معقدة قد تحمل في طياتها فرصا لإعادة التوازن لكنها تحمل أيضًا مخاطر سوء التقدير. فحين تتعدد مراكز القرار وتختلف أولوياتها يصبح التنسيق أكثر صعوبة وتزداد احتمالات التصعيد غير المقصود. بالنسبة للولايات المتحدة فإن التحدي لا يتمثل فقط في الحفاظ على نفوذها التقليدي بل في إعادة تعريف دورها في منطقة لم تعد تستجيب بنفس الآليات القديمة. أما بالنسبة لدول المنطقة فإن التحدي الأكبر يكمن في كيفية إدارة استقلالية متزايدة دون الانزلاق إلى صراعات مفتوحة.
في النهاية قد لا يكون السؤال الداخل أم الخارج هو الأدق لوصف ما يحدث الأقرب إلى الواقع أن نقول: المشهد يُدار من الاثنين معا لكن وفق قواعد جديدة لم تستقر بعد.
وفي هذه المساحة غير الواضحة حيث تتقاطع الإرادات وتتصادم الحسابات تتشكل ملامح مرحلة مختلفة… مرحلة لا يمكن فهمها بأدوات الماضي ولا التنبؤ بها بسهولة.
إنه شرق أوسط يعاد تشكيله…
ليس بقرار واحد بل بتفاعل معقد بين الداخل والخارج.
