شحاته زكريا يكتب :هل تُخيف الصين العالم… أم يُخيفها العالم؟ قراءة في معادلة القلق المتبادل

56

لم يعد السؤال اليوم هو: هل أصبحت الصين قوة كبرى؟ فهذا أمر حسم بالفعل بالأرقام والوقائع والجغرافيا السياسية. السؤال الأدق والأكثر إلحاحا هو: من يخاف من من؟ هل يخشى العالم صعود الصين أم تخشى الصين عالما لا يبدو مستعدا لقبول هذا الصعود بلا شروط ولا تحفظات؟ في هذه المنطقة الرمادية بين القوة والقلق تتشكل واحدة من أعقد معادلات السياسة الدولية في زمننا الراهن .. من الخارج تبدو الصين كعملاق اقتصادي وتكنولوجي يتقدم بثبات. مصانعها تمد العالم بالسلع وشركاتها تنافس في الذكاء الاصطناعي والاتصالات والطاقة ومبادراتها العابرة للحدود تعيد رسم خرائط التجارة والنفوذ. هذا الصعود السريع يوقظ مخاوف قديمة في العواصم الكبرى: الخوف من اختلال ميزان القوى ومن تراجع النفوذ ومن عالم لم تعد قواعده تكتب في الغرب وحده. هكذا تقدّم الصين في كثير من الخطابات السياسية والإعلامية: قوة تُقلق النظام الدولي وتربكه .. لكن الصورة من داخل بكين تبدو مختلفة تماما. هناك لا ينظر إلى المشهد باعتباره لحظة انتصار بقدر ما يرى كمرحلة اختبار صعبة. الصين تواجه تباطؤا اقتصاديا وضغوطا ديموغرافية وحصارا تكنولوجيا متزايدا وشبكة معقدة من الشكوك السياسية حول نواياها. بالنسبة لصناع القرار الصينيين العالم ليس ساحة مفتوحة للتمدد بقدر ما هو حقل ألغام مليء بالعقوبات والقيود ومحاولات الاحتواء. القلق هنا ليس شعورا طارئا بل جزء من الحسابات اليومية .. اللافت أن الطرفين يتصرفان بمنطق دفاعي حتى وهما في موقع الهجوم. الغرب يعزز تحالفاته ويشدد قواعد التجارة والتكنولوجيا بدعوى حماية النظام الدولي. والصين توسع شراكاتها وتبحث عن أسواق وطرق جديدة بدعوى تأمين مصالحها وحقها في التنمية. في الحالتين اللغة واحدة تقريبا: لغة الوقاية من المخاطر لا لغة الثقة المتبادلة. هكذا يتحول القلق إلى سياسة وتتحول السياسة إلى سلسلة إجراءات قد تقرأ في الطرف الآخر كتهديد مباشر .. في قلب هذه المعادلة تقف التكنولوجيا. لم تعد المنافسة حول من ينتج أكثر أو يصدر أكثر بل حول من يملك مفاتيح المستقبل: الشرائح الإلكترونية والذكاء الاصطناعي وشبكات الاتصالات وسلاسل الإمداد الذكية. هنا يتضاعف القلق لأن الخسارة لا تعني تراجع أرباح فقط بل تعني تراجع موقع في سباق القوة العالمي. لذلك يبدو الصراع التكنولوجي بين الصين والغرب كأنه صراع على الزمن نفسه: من يكتب قواعد الغد؟
لكن الاقتصاد لا ينفصل عن السياسة. الصين التي بنت جزءا كبيرا من قوتها على الاندماج في الاقتصاد العالمي تجد نفسها اليوم أمام عالم أكثر تحفظا وأقل انفتاحا. والأسواق التي كانت ترحب بالبضائع والاستثمارات الصينية بلا شروط باتت تضع الأسئلة قبل العقود. في المقابل يدرك كثيرون في الغرب أن فك الارتباط الكامل مع الصين ليس خيارا واقعيا لأن الاقتصاد العالمي بات متشابكا إلى درجة تجعل القطيعة مكلفة للجميع. هنا يظهر التناقض الكبير: الخوف من الصين والحاجة إليها في الوقت نفسه .. القلق المتبادل لا يصنع استقرارا بل يصنع إدارة دائمة للأزمات. كل خطوة تقرأ بعين الشك وكل مبادرة تفهم باعتبارها محاولة لتوسيع النفوذ. وفي عالم كهذا تصبح النوايا أقل أهمية من التفسيرات وتصبح الرموز والخطابات أحيانا أخطر من القرارات نفسها. المشكلة أن هذا المناخ لا يترك مساحة كافية للتعاون الحقيقي في ملفات كبرى مثل المناخ والصحة العالمية وأمن الطاقة وهي ملفات لا يملك أي طرف ترف إدارتها وحده.
ربما لا يخيف الصين العالم بقدر ما يخيفها فقدان القدرة على التحكم في مسار صعودها. وربما لا يخيف العالم صعود الصين بقدر ما يخيفه غياب قواعد واضحة لهذا الصعود. بين هذين الخوفين تتحرك السياسة الدولية اليوم فوق أرض غير مستقرة حيث لا أحد يريد الصدام لكن الجميع يستعد له ولا أحد يرغب في القطيعة لكن الجميع يضع لها سيناريوهات .. في النهاية السؤال ليس من الأقوى بل من الأقدر على تحويل القلق إلى إدارة عقلانية للتنافس لا إلى وقود لمواجهة طويلة. لأن التاريخ يعلمنا أن القوى الكبرى لا تسقط فقط حين تهزم بل أحيانا حين تسيء قراءة مخاوفها ومخاوف الآخرين. وفي عالم تتقاطع فيه المصالح أكثر مما تتصادم قد يكون أخطر ما نملكه اليوم ليس السلاح ولا الاقتصاد… بل سوء الظن المزمن.