شحاته زكريا يكتب :واشنطن واللعب بالأعصاب… إدارة الأزمات أم صناعتها؟

0

في عالم لم يعد يحتمل المزيد من التوتر تبدو الولايات المتحدة وكأنها تمارس لعبة دقيقة على حافة الأعصاب لعبة لا تقوم فقط على إدارة الأزمات بل في كثير من الأحيان على إعادة إنتاجها بصيغ مختلفة. وبينما تقدم واشنطن نفسها باعتبارها الضامن للاستقرار العالمي تكشف الوقائع المتلاحقة أن هذا الاستقرار ذاته أصبح أداة تدار وفق حسابات النفوذ لا وفق ضرورات السلام .. من الشرق الأوسط إلى شرق أوروبا ومن الممرات البحرية الحيوية إلى ساحات الصراع غير التقليدية تتبدى السياسة الأمريكية كشبكة معقدة من التحركات المتوازية: تهدئة هنا وتصعيد هناك رسائل مزدوجة تقرأ بطرق متناقضة. فحين تتحدث عن احتواء التوتر تدعم في الوقت ذاته موازين قوى تبقي هذا التوتر حيا وقابلا للاشتعال في أي لحظة. إنها ليست مفارقة بقدر ما هي فلسفة إدارة قائمة على إبقاء الجميع في حالة ترقب دائم.. في قلب هذه الفلسفة تقف فكرة الردع المرن كأحد أبرز الأدوات. فواشنطن لا تسعى بالضرورة إلى حسم الصراعات بقدر ما تعمل على ضبط إيقاعها. الصراع في هذا السياق لا يُراد له أن ينتهي بل أن يظل تحت السيطرة ضمن حدود لا تسمح بانفجار شامل ولا تمنح في الوقت نفسه فرصة لتشكل نظام إقليمي مستقل عن إرادتها. إنها معادلة دقيقة: لا حرب كبرى… ولا سلام كامل.

لكن هذه المقاربة التي قد تبدو ناجحة على المدى القصير تحمل في طياتها مخاطر عميقة. فالتوتر المزمن يولد هشاشة مستدامة ويُنتج بيئات قابلة للانفجار غير المحسوب. ومع تعدد الفاعلين الإقليميين وتزايد استقلالية قراراتهم لم يعد بالإمكان ضمان أن تظل كل الخيوط في يد لاعب واحد مهما بلغت قوته. هنا تتحول لعبة الأعصاب إلى مقامرة مفتوحة قد تنقلب نتائجها في لحظة غير متوقعة.. الأخطر من ذلك أن هذا النهج يعيد تشكيل أولويات الدول والمجتمعات على نحو يكرّس منطق القوة على حساب التنمية. فحين تصبح المنطقة ساحة رسائل متبادلة تتراجع الملفات الحيويه كالاقتصاد، والتعليم، والاستقرار الاجتماعي إلى مرتبة ثانوية. المواطن العادي الذي يُفترض أن يكون محور السياسات يجد نفسه في قلب معادلة لا يملك فيها قرارا لكنه يدفع ثمنها يوميا.. وفي خضم هذا المشهد تبدو أمريكا وكأنها تواجه مأزقا مركبا. فمن جهة تسعى للحفاظ على موقعها كقوة قائدة للنظام الدولي ومن جهة أخرى تتعامل مع عالم لم يعد يقبل بسهولة فكرة القطب الواحد. قوى صاعدة وتحالفات مرنة ومصالح متشابكة كلها عوامل تفرض واقعا جديدا لا يمكن إدارته بالأدوات القديمة نفسها.. لذلك لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت واشنطن تدير الأزمات أم تصنعها بل كيف يمكنها الخروج من هذه الحلقة المعقدة دون أن تفقد توازنها أو تُفقد العالم ما تبقى من استقراره. فالإدارة الحقيقية للأزمات لا تعني فقط احتواءها بل السعي الجاد لمعالجة جذورها وهو ما يتطلب إرادة سياسية تتجاوز منطق الهيمنة إلى منطق الشراكة.. إن المنطقة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الاستعراضات العسكرية أو الرسائل غير المباشرة بقدر ما تحتاج إلى رؤية واضحة تعيد الاعتبار للدبلوماسية كأداة أولى لا كخيار أخير. كما تحتاج إلى توازنات جديدة تقوم على المصالح المشتركة لا على إدارة الخلافات فقط.
في النهاية تبقى الحقيقة الأهم أن اللعب على أعصاب الشعوب ليس استراتيجية مستدامة. فالتاريخ يُثبت أن التوتر، مهما طال أمده لا يمكن احتواؤه إلى ما لا نهاية. وبين إدارة الأزمات وصناعتها، تقف واشنطن اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن تكون جزءا من الحل… أو تظل ولو بشكل غير مباشر جزءا من المشكلة.. وما بين هذا وذاك يبقى العالم والمنطقة على وجه الخصوص في حالة انتظار… انتظار قرار قد يحدد ملامح مرحلة كاملة إما نحو تهدئة طال أمدها أو نحو فصل جديد من فصول القلق المفتوح.