صواريخ تحت النفي.. الصين تدعو إلى التهدئة وتسلّح إيران في الخفاء

0

تتسع المسافة بين لغة الصين الداعية إلى التهدئة في الشرق الأوسط ومؤشرات تعاونها العسكري مع إيران. ففيما تحث بكين واشنطن وطهران على العودة إلى المفاوضات وضمان الملاحة في مضيق هرمز، تكشف معلومات جديدة عقداً يضع مئات منظومات الدفاع الجوي الصينية المحمولة في طريقها إلى إيران.

وبحسب تقرير لوكالة رويترز، أبرمت إيران عقداً لشراء ما بين 300 و400 منظومة دفاع جوي محمولة على الكتف من طرازي «QW-12» و«FN-16»، بقيمة تراوح بين 60 و70 مليون دولار، على أن تتسلّم الدفعة الأولى خلال أسابيع. ولم تعلن الوكالة أن المنظومات سُلّمت بالفعل، فيما نفت وزارة الخارجية الصينية التقرير ووصفته بأنه «لا أساس له من الصحة».

سعر برميل النفط ينخفض بنحو 5% بعد الإعلان عن مفاوضات بين واشنطن وطهران

صفقة محمولة
تُعد الصفقة، إذا اكتملت، واحدة من أكبر محاولات طهران المعروفة لتعزيز دفاعاتها الجوية القصيرة المدى، بعدما كشفت الضربات الأميركية والإسرائيلية ثغرات في قدرتها على حماية مواقع عسكرية وبنى تحتية مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة والرادارات.

وذكرت رويترز أن العقد وُقّع مع شركة «تشونغتشينغ باوشانغ إنترناشونال إنفستمنت» ومقرها هونغ كونغ، قالت مصادر الوكالة إنها تعمل وسيطاً بين الجانب الإيراني والمورّد الصيني. وتقضي الخطة الأولية بنقل الشحنات جواً من أورومتشي في غرب الصين، ثم تمريرها عبر باكستان إلى إيران، من دون أن يتضح ما إذا كانت المرحلة الأخيرة ستتم براً أم جواً.

وتتميز منظومات «QW-12» و«FN-16» بسهولة نقلها وتشغيلها بواسطة فرق صغيرة، وهي مصممة لاعتراض الطائرات والمروحيات والطائرات المسيّرة التي تحلّق على ارتفاع منخفض. وتمنحها قابليتها للانتشار السريع قدرة على حماية المنشآت العسكرية ومرافق الطاقة والمواقع الحساسة، مع خفض تعرضها للضرب مقارنة بالبطاريات الثابتة.

نفي صيني
سارعت وزارة الخارجية الصينية إلى نفي المعلومات، وقالت إن التقرير «لا أساس له من الصحة إطلاقاً»، مؤكدة أن بكين تعمل بصورة ثابتة على تعزيز السلام وإنهاء الصراع. كما نفت المؤسسة العسكرية الباكستانية أي دور لبلادها في نقل أسلحة دفاع جوي صينية إلى إيران، ووصفت هذه المعلومات بأنها «مختلقة وكاذبة».

لم ترد وزارة الخارجية الإيرانية ولا الشركة المسجلة في هونغ كونغ فوراً على طلبات التعليق، وفق رويترز، ما يبقي الصفقة في نطاق رواية مصادر مطلعة تقابلها نفي رسمي من بكين وإسلام آباد.

جاء الكشف فيما دعا القائم بأعمال البعثة الدائمة للصين لدى الأمم المتحدة إلى استئناف المفاوضات لخفض التوتر المتصاعد في الخليج واستعادة الملاحة الآمنة عبر مضيق هرمز، في صورة تلخص ازدواجية المشهد: خطاب دبلوماسي يدفع نحو التهدئة، ومعلومات عن مسار تسليح يجري بعيداً من العلن.

دعم مزدوج
منذ سنوات، تحوّلت بوصلة السياسة الخارجية الأميركية تدريجياً نحو الصين وروسيا بوصفهما منافسين استراتيجيين، بالتوازي مع محاولات واشنطن تقليص انخراطها في الشرق الأوسط. غير أن المواجهة مع إيران أعادت هذا التنافس إلى المنطقة بقوة، ودفعت حدود الدعم الصيني والروسي لطهران إلى صدارة الحسابات الأميركية.

وتشير تقارير استخباراتية واستقصائية منذ بداية الحرب إلى أن بكين وموسكو تنفذان أنشطة تساعد إيران عسكرياً، رغم نفي الصين تقديم دعم عسكري غير معلن. ووفق رويترز، دعمت الصين القدرات الإيرانية عبر مكونات مزدوجة الاستخدام وأنظمة ملاحة بالأقمار الاصطناعية، من دون تقديم مساعدة عسكرية صريحة منذ بداية الحرب.

وفي مايو، قالت مجلة «إيكونوميست» إنها اطلعت على وثيقة سرية تفيد بأن الصين وروسيا زودتا إيران بمعلومات استخباراتية تكتيكية، عبر بيانات أقمار اصطناعية معالجة، للمساعدة على تحديد مواقع القوات الأميركية في الشرق الأوسط واستهدافها.

وقال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث للمشرعين إن روسيا والصين تعملان «على مستويات متفاوتة» لتمكين إيران من مواصلة عملياتها. وكان الرئيس دونالد ترامب قد قال إنه يثق بتعهدات الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعدم بيع أسلحة لطهران، قبل أن يحذر من أن مشاركة البلدين في الحرب أو تزويد أطرافها بالسلاح «ستكون أمراً سيئاً للغاية بالنسبة إليهما».

حسابات ترامب
دفع ترامب منذ أبريل في اتجاه تعهد صيني بعدم تسليح إيران إذا استؤنف القتال، ومساعدة بكين على إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً. وكتب إلى شي طالباً الأمرين، ثم قال علناً إنه تلقى ضمانات في شأن الأسلحة.

ويرى غرانت روملي، مدير برنامج «غلازر» للتنافس بين القوى العظمى، أن أولوية ترامب تتمثل في الحفاظ على استقرار العلاقة الأميركية الصينية. وقال لقناة «الحرة» إن الرئيس الأميركي قد يكون مستعداً للتقليل من أهمية معلومات الدعم الصيني لإيران، تفادياً لإرباك زيارة شي المقبلة إلى واشنطن والمفاوضات الجارية بين البلدين.

لكن لقاءات ترامب وشي لم تمنع الإدارة الأميركية من التحرك. فقبل قمة سابقة بين الزعيمين بأيام، فرضت واشنطن عقوبات على ثلاث شركات أقمار اصطناعية صينية قالت إنها وفرت صوراً مكّنت إيران من استهداف قوات ومواقع أميركية.

وأوضحت الخارجية الأميركية أن العقوبات استندت إلى الأمر التنفيذي رقم 13949 المرتبط بأنشطة إيران في مجال الأسلحة التقليدية، معتبرة أن تزويد طهران بصور فضائية لمواقع أميركية في الشرق الأوسط هدد حياة جنود أميركيين وقوات حليفة.

عيون فضائية
قال براد بومان، مدير مركز القوة العسكرية والسياسية في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الحرة» إن المساعدات الروسية والصينية تجعل إيران «أكثر فتكاً وقدرة على الصمود مما لو كانت بمفردها». واعتبر أن المعلومات الواردة في التقارير الأخيرة خطرة للغاية، وتنسجم مع سلوك بكين وموسكو خلال الأعوام الماضية، واصفاً ذلك بأنه تعاون مزدوج لدعم طهران.

وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد قالت إن الصين قدمت شحنات متعددة من مواد أولية مزدوجة الاستخدام يمكن توظيفها في صناعة وقود الصواريخ الباليستية، ومنها «بيركلورات الصوديوم»، إضافة إلى مكونات تدعم القاعدة الصناعية الدفاعية الإيرانية.

وفي مايو أيضاً، نقلت شبكة «إيه بي سي» عن مصادر في الاستخبارات الأميركية أن شركة صينية متخصصة في الذكاء الاصطناعي تدعى «ميزار فيجن» نشرت بيانات جغرافية لمواقع أميركية عززت قدرة الحرس الثوري الإيراني على تحديد الأهداف بدقة.

وتتقاطع هذه المعلومات مع تقارير قالت إن أقماراً اصطناعية تجارية صينية وفرت بيانات ساعدت القوات الإيرانية على تنفيذ ضربات دقيقة استهدفت بنى عسكرية أميركية وحليفة، بينها شبكات رادار للإنذار المبكر في قطر والإمارات. وتبقى هذه الروايات منسوبة إلى المصادر الأميركية التي أوردتها، ولم تقدم بكين إقراراً بها.

حدود الشراكة
على الرغم من تقارب طهران وبكين، تجنبت الصين تقديم تعهدات دفاعية رسمية لإيران. ويرى بومان أن العقوبات الأميركية، بما تحمله من تداعيات محتملة على الاقتصاد الصيني، تبقى العامل الأكثر إثارة للقلق لدى بكين.

غير أن حجم الدعم الصيني والروسي، المباشر منه وغير المباشر، سيظل عاملاً رئيسياً في تحديد سرعة تعافي إيران من الحرب وإعادة بناء قدراتها، وكذلك مدى قدرتها على شن هجمات أو خوض جولات مقبلة. وبين نفي التسليح ودبلوماسية التهدئة، ترسم الصين هامشاً دقيقاً: مساندة طهران من دون الانزلاق إلى تحالف دفاعي معلن أو مواجهة مفتوحة مع واشنطن.