فنزويلا وما بعد الصدمة .. عندما تتحول القوة إلى سابقة دولية.. بقلم :شحاته زكريا
لم يكن ما جرى في فنزويلا مجرد تطور أمني أو حدث سياسي عابر بل لحظة كاشفة في تاريخ العلاقات الدولية لحظة انتقلت فيها القوة من كونها أداة ضغط إلى كونها سابقة قابلة للتكرار. فالقضية لم تعد مرتبطة بشخص نيكولاس مادورو بقدر ما باتت مرتبطة بسؤال أخطر: من يملك حق إسقاط الشرعية؟ ومن يحدد متى تصبح الدولة مباحة؟ اللافت في المشهد الفنزويلي أن التدخل لم يقدم بوصفه حربا ولم يعلن كاحتلال بل صيغ في إطار عملية محدودة ذات طابع قانوني وأخلاقي. هذه الصياغة بحد ذاتها تمثل تحولا خطيرا في مفهوم استخدام القوة حيث لم تعد الجيوش ترسل لإسقاط دول بل لتنفيذ مهمات داخل دول ذات سيادة ثم الانسحاب وكأن السيادة أصبحت حالة مؤقتة تعلق عند الضرورة .. ما جرى يعكس تحولا في العقل الاستراتيجي الأمريكي: من إدارة الأزمات عبر الاحتواء طويل الأمد إلى الحسم السريع الذي يراكم وقائع جديدة قبل أن يتمكن النظام الدولي من الرد. فالمؤسسات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة بدت وكأنها تصل متأخرة دائما لا لتمنع بل لتسجل ما حدث بالفعل .. الأكثر إرباكا أن الحدث كُسِيَ بلغة القانون. تهم مذكرات توقيفمحاكمات… وهي أدوات تبدو مدنية في ظاهرها لكنها استخدمت في سياق عسكري-سياسي عابر للحدود. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: تسييس العدالة وتحويلها إلى ذراع جيوسياسي بما يفتح الباب أمام عالم تدار فيه الصراعات لا بالدبابات فقط بل بالملفات القضائية العابرة للقارات .. فنزويلا في هذا السياق ليست استثناء بل نموذجا تجريبيا. دولة ضعفت مؤسساتها وانقسم مجتمعها وتآكل اقتصادها فباتت بيئة مثالية لتجربة شكل جديد من التدخل أقل كلفة وأعلى تأثيرا وأكثر قابلية للتسويق دوليا. هذا النموذج يبعث برسالة صريحة إلى دول كثيرة: الضعف الداخلي لم يعد شأنا محليا بل دعوة مفتوحة للتدخل الخارجي لكن التداعيات لا تقف عند حدود أمريكا اللاتينية. روسيا والصين قرأتا الرسالة جيدا ليس فقط باعتبارها ضربة لحليف بل كسابقة قد تستخدم مستقبلا في مناطق نفوذ أخرى. ولذلك فإن ما يبدو كعملية محدودة قد يتحول إلى عامل تسريع لاستقطاب دولي أشد حدة حيث تسعى القوى الكبرى إلى تحصين حلفائها لا عبر التنمية والإصلاح بل عبر التسلح والتحالفات الصلبة.
أما الداخل الفنزويلي فهو الخاسر الأكبر. فبدل أن يفتح الحدث بابا لحل سياسي شامل، زاد من تعقيد المشهد وعمق الانقسام ورفع منسوب الشك في أي مسار تفاوضي قادم. فكيف يمكن الحديث عن انتخابات أو تسويات في ظل شعور عام بأن القرار لم يعد يصنع داخل الحدود؟
القضية إذن ليست مادورو ولا حتى فنزويلا وحدها بل تحول النظام الدولي من منظومة قواعد إلى منظومة سوابق. وكل سابقة غير محاسبة تصبح قاعدة محتملة. وإذا لم يعاد ضبط هذا المسار فإن العالم يتجه نحو مرحلة تختصر فيها السياسة في القدرة ويعاد تعريف الشرعية بمن يملك القوة لا بمن يملك التفويض .. ما حدث في فنزويلا سيظل علامة فارقة ليس لأنه غير نظاما بل لأنه غير منطقا… ومن يغير المنطق يغير العالم.
