لمياء ابن احساين تكتب : حرب المصالح والمضايق

0

لم يعد ما يجري في الشرق الأوسط مجرد تصعيد عسكري قويا، أوعابرا أو جولة أخرى من المواجهات التقليدية، فالمنطقة تعيش لحظة مفصلية قد تعيد رسم موازين القوى لعقود قادمة فالحرب التي اندلعت بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى تجاوزت حدود المواجهة المحدودة لتتحول إلى صراع مفتوح يحمل بين طياته مخاطر توسع إقليمي وربما دولي.
الضربات التي استهدفت العمق الإيراني واغتيال المرشد ضرب صميم القيادة الإيرانية وحول المواجهة إلى اختبار مباشر لقدرة طهران على الرد والاستمرار وما يتبعها من ردود صاروخية وهجمات بطائرات مسيرة، كشفت أن قواعد الاشتباك القديمة في الشرق الأوسط لم تعد قائمة، فاستهداف القيادة الإيرانية ومراكز القرار السياسي والعسكري يمثل تصعيدا غير مسبوق ويعكس تحولا
في الاستراتيجية الغربية من سياسة الاحتواء إلى محاولة تغيير موازين القوة نفسها.
لكن الرهان على انهيار سريع للجمهورية الإسلامية يبدو حتى الأن بعيدا عن التحقق، فإيران التي بنت استراتيجيتها العسكرية خلال
العقود الماضية على مبدأ الرد غير المتكافئ، لا تعتمد فقط على قوتها العسكرية التقليدية بل على شبكة معقدة من التحالفات الإقليمية والقدرات الصاروخية التي تجعل أي مواجهة معها مكلفة وطويلة.
ومن هنا بدأ الرد الإيراني الذي تجاوز حدودها الجغرافية ليصل إلى محيط الخليج فوجود قواعد عسكرية أمريكية في عدد من الدول الخليجية جعل هذه المنطقة في قلب المعركة لا على هامشها.
هذا التطور يضع دول الخليج أمام معادلة صعبة فمن جهة ترتبط هذه الدول بتحالفات أمنية وثيقة مع الولايات المتحدة ومن جهة أخرى تدرك أن تحول أراضيها إلى ساحة حرب قد يهدد استقرارها الاقتصادي والسياسي ويضع أمن الطاقة العالمي أمام اختبار خطير.
أما أوروبا التي تحاول حتى الأن الحفاظ على مسافة من المواجهة العسكرية فقد تجد نفسها قريبا أمام واقع مختلف فالقارة التي تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار طرق الطاقة في الشرق الأوسط قد تضطر إلى الانخراط بشكل أعمق في الصراع إذا تهددت مصالحها الاستراتيجية، وفي المقابل يلفت الانتباه الموقف الحذر لكل من روسيا والصين ،فالقوتان اللتان تربطهما علاقات بطهران اكتفتا حتى الأن بدعوات ديبلوماسية لوقف التصعيد، غير أن هذا الصمت لا يعني بالضرورة الحياد بل يعكس حسابات أكثر تعقيدا فروسيا المنشغلة بمواجهة الغرب لا ترغب في فتح جبهة جديدة مع الولايات المتحدة أما الصين التي تعتمد على استقرار الاقتصاد العالمي
وأسواق الطاقة، وأحد أكثر الدول اعتمادا على نفط الخليج فهي تدرك أن حربا واسعة في الشرق الأوسط قد تهدد منظومة التجارة التي تقوم عليها قوتها الاقتصادية، فبكين التي تمر نسبة كبيرة من وارداتها النفطية عبر مضيق هرمز تبدو حذرة في ردودها، فأي انخراط مباشر في الصراع قد يفتح مواجهة مع أمريكا في منطقة لا تزال واشنطن تملك تفوقا عسكريا واضحا لذلك تفضل الصين على الأقل في هذه المرحلة مراقبة تطورات الحرب عن بعد بينما تبقى مصالحها معلقة بمصير المضايق التي قد تتحول في أي لحظة إلى بؤرة صراع عالمي خصوصا مضيق هرمز الذي يبرز في قلب هذه الحرب ليمثل ورقة ضغط في يد إيران،ولهذا السبب
تحتفظ أمريكا بوجود عسكري بحري كبير في المنطقة يهدف بالدرجة الأولى إلى ضمان استقرار تدفق النفط والتجارة الدولية لذلك
فإن الصراع حول مضيق هرمز لا يتعلق فقط بالمواجهة بين إيران وأمريكا بل يعكس أيضا حربا على النفوذ الاقتصادي العالمي، فكل طرف يدرك أن السيطرة على هذا الممر الاستراتيجي تعني امتلاك ورقة ضغط هائلة على الأسواق الدولية وعلى توازنات القوى في المنطقة، ومن هنا يتضح أن ما يجري ليس مجرد حرب تقليدية بل صراع على التحكم في مفاتيح الاقتصاد العالمي فالمضايق البحرية من هرمز إلى باب المندب لم تعد مجرد ممرات جغرافية بل تحولت إلى أدوات نفوذ استراتيجي في صراع تتداخل فيه السياسة والطاقة والهيمنة الدولية.
في النهاية السؤال الحقيقي ليس من سيربح الحرب بل من سيبقى قادرا على التحكم في نتائجها .الشرق الأوسط اليوم على حافة لحظة قد تغير ليس فقط توازنات المنطقة بل شكل النظام الدولي بأكمله وإذا استمر التصعيد فقد يتحول الخليج من مجرد مضيق استراتيجي إلى شرارة مواجهة قد تهز العالم بأسره.