لمياء ابن احساين تكتب : مجلس هندسة العالم أو نادي الدول المنتقاة المغرب في الصف الأول
في عالم تتكاثر فيه الحروب وتتجمد فيه قرارات مجلس الأمن بفعل الفيتو وتضارب المصالح يظهر سؤال جوهري إلى الواجهة هل مازالت الأمم المتحدة قادرة على إدارة السلم العالمي؟
في هذا السياق برز خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول صناعة السلام أو ما يسمى بمجلس السلام العالمي بوصفه إطارا بديلا أو موازيا للمنظمة الأممية غير أن هذا الطرح يثير إشكالية أعمق: هل نحن أمام مؤسسة دولية جديدة أم أمام ناد انتقائي يعيد ترتيب النفوذ العالمي خارج الشرعية المتعددة الأطراف؟ في لحظة دولية تتسم بتعدد بؤر التوتر وتراجع فعالية الآليات التقليدية لتدبير النزاعات، وصناعة السلام خارج الأطر البيروقراطية الثقيلة، جاء الإعلان من دافوس السويسرية في سياق دولي مضطرب وقدم كآلية تسعى إلى تجاوز منطق الفيتو والتجاذبات السياسية التي كثيرا ما عطلت قرارات مجلس الأمن.
في صيغته الأولى ارتبط المجلس بملف غزة سواء من حيث تثبيت وقف إطلاق النار أو مواكبة جهود إعادة الإعمار
وضمان الاستقرار ومن تم الانتقال للملف الأوكراني والسوري.
ولم يكن لافتا أن يكون المغرب من بين الدول المؤسسة لهذا المجلس ،فتوقيع وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر
بوريطة على الميثاق التأسيسي إلى جانب الرئيس الأمريكي في مشهد ديبلوماسي حمل أكثرمن دلالة ظهر فيه المغرب بصفته فاعلا ديبلوماسيا يراكم صورة الوسيط الذي يفضل الحلول السياسية وعدم الاصطفاف الحاد وتقرأ علاقاته المتوازنة مع القوى الكبرى باعتبارها تموضعا يسمح له بلعب دور جسري بين منطق الشرعية الأممية ومنطق التحالفات
الجديدة دون الانخراط في أطر إقصائية أوانتقائية، المشهد الذي جمع ناصر بوريطة بدونالد ترامب لم يكن بروتوكوليا فقط بل حمل رسائل متعددة منها اعتراف بالدور المغربي كطرف موثوق في مبادرات السلام، وتثبيت لمكانة المغرب كشريك في بلورة حلول دولية لا مجرد متلق لها، وتأكيد على قدرة الديبلوماسية المغربية على الاشتغال داخل توازنات
دولية معقدة دون التفريط في ثوابتها.
الصورة التي يقدمها الرئيس الأمريكي على أنه رئيس العالم منذ وصوله إلى البيت الأبيض وحرصه على تقديم نفسه بوصفه رجل الصفقات الكبرى وصانع السلام مستندا إلى رعايته لاتفاقات التطبيع في الشرق الأوسط وضغوطه السياسية
لإنهاء بعض النزاعات دون تدخل عسكري مباشر هذا الخطاب غذى صورة إعلامية مفادها أن ترامب يسعى لقيادة النظام الدولي بنفسه متجاوزا المؤسسات التقليدية مثل الأمم المتحدة ، مما حذا بروسيا والصين وبريطانيا رفض الانضمام
أو الاعتراف بالمجلس لأسباب استراتيجية وديبلوماسية واضحة، فبالنسبة لروسيا والصين يعد المجلس محاولة لإدارة
النزاعات العالمية خارج الشرعية الدولية التقليدية ما قد يضعف نفوذهما في مجلس الأمن ويحول إدارة السلام إلى أداة
نفوذ أمريكية مباشرة لذا يعتبر رفض الانضمام وسيلة للحفاظ على التوازن الدولي ومنع الهيمنة الأمريكية أما بريطانيا فتعتبرأي مشاركة في مجلس انتقائي كهذا قد يعتبر انحياز لمصالح دولة معينة على حساب التمثيل العالمي،مايضر
بمصداقيتها الديبلوماسية كما تدعي.
لا يبدو أن العالم يتجه إلى تجاوز الأمم المتحدة بقدر ما يسير نحو مرحلة تنافس بين الشرعية الدولية التقليدية والمبادرات السياسية الجديدة التي تبحث عن شرعية بديلة عنوانها السلام خارج المؤسسات ،أما المغرب فيستثمر حضوره داخل هذه
النقاشات لتعزيز صورته كفاعل ديبلوماسي معتدل بينما يوظف ترامب خطاب السلام لإعادة إنتاج زعامة عالمية بديلة.
