لمياء ابن احساين : حرب الغربان

0

” لا نحتاجكم لكننا لن ننسى” بهذه العبارة لا يكتفي دونالد ترامب بتوجيه رسالة إلى أوروبا بل يعلن عمليا عن إعادة تعريف التحالفات الغربية في لحظة تتقاطع فيها أزمات الولايات المتحدة الأمريكية مع إيران ومع حسابات الحرب في أوكرانيا إنها حرب الغربان حيث لا تخاض المواجهات بشكل مباشر بل عبر الضلال والمهل وأوراق الضغط المتنقلة.
انتهاء المهلة التي لوحت بها واشنطن ليس تفصيلا ديبلوماسيا بل نقطة تحول فإما أن تترجم ضربات عسكرية محسوبة تعيد رسم خطوط الردع أو تتحول إلى اختبار فشل يكشف حدود القوة الأمريكية في فرض شروطها، لكن المشكلة لا تكمن في الضربة الأولى بل فيما بعدها يعني أن أي تصعيد قد يتشظى سريعا إلى جبهات متعددة من العراق إلى البحر.
والسؤال الأكثر حساسية يظل هل يمكن أن تلجأ إيران إلى تهديد الملاحة في مضيق هرمز: فنظريا تملك طهران القدرة على تهديد الممر عبر وسائل تقليدية كالألغام البحرية أو الهجمات غير المباشرة لكن عمليا فإن إغلاق المضيق بشكل كامل يظل خيارا عالي التكلفة لأنه سيستدعي ردا دوليا واسعا وقد يضع إيران في مواجهة مباشرة مع قوى كبرى وليس فقط مع واشنطن وهذا ما تخشاه إيران خصوصا في ظل فراغ السلطة فيها.
لذلك يبقى السيناريو الأقرب هو التلويح دون الإغلاق الكامل، في هذه المعادلة تجد دول الخليج نفسها في موقع المتلقي الأول للصدمات فأي توتر في مضيق هرمز يعني تهديدا مباشرا لصادرات الطاقة وأي تصعيد عسكري قد يطال بنيتها التحتية الحيوية لذلك تميل هذه الدول إلى إنهاء الحرب مع إيران.
في موازاة التصعيد يلوح ترامب أيضا بملف أوكرانيا كورقة ضغط على حلف شمال الأطلسي ،الفكرة ليست جديدة لكنها اليوم أكثر وضوحا فالدعم الأمريكي لم يعد التزاما ثابتا بل أداة تفاوض.
فترامب يريد إشراك أطراف دولية في هذه الحرب ودفع الدول الأوروبية لتتحمل كلفة أكبر في الأمن والدفاع ،لذا تبدو المرحلة المقبلة محكومة بمنطق حرب الغربان ضربات في الظل رسائل نارية وأوراق ضغط متداخلة من الخليج إلى كييف ومع اقتراب لحظة الحسم بعد انتهاء المهلة يرتفع سقف الخطاب إلى حد الحديث عن تدمير إيران،لكن بين اللغة السياسية والقدرة الفعلية تظل المسافة كبيرة ما يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات أكثر واقعية، في هذا الإطار يبدوأن خطاب التدمير الكامل أقرب إلى أداة ضغط سياسية منه إلى خطة قابلة للتنفيذ الفوري ،لذا جاءت موافقة ترامب على مهلة أسبوعين بطلب من باكستان قبل انتهاء المهلة ولا يعني توقف الحرب بل تعكس إعادة تموضع تكتيكية.
فالهدنة قد تستخدم لإعادة ترتيب الأوراق وفتح قنوات خلفية لا لإنهاء الصراع ، كما أن التزام أمريكا بها يظل رهينا بمدى استجابة إيران ما يجعلها هدنة قابلة للانهيار في أي لحظة خصوصا وأن إسرائيل ترى في هذه المهلة فرصة تمنح طهران وقتا إضافيا لذلك تبقى احتمالات التصعيد المحدود أو الضغط على واشنطن من طرف إسرائيل قائمة .
في ضوء هذا التخبط في القرارات والخطابات يتضح أن ما يقال في العلن لا يعكس بالضرورة ما يخطط له في الخفاء فبين خطاب التدمير وحسابات الميدان تتحرك السياسة الأمريكية على حافة دقيقة حيث يصبح كل تصعيد محسوبا .
ما يجري اليوم ليس مجرد تصعيد عابر أو هدنة تمهد لوقف الحرب بل إعادة تشكيل لقواعد اللعبة الدولية من طهران إلى كييف ومن مضيق هرمز إلى عواصم أوروبا حيث تتقاطع الأزمات في لحظة واحدة .
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في التصعيد ذاته بل في وهم السيطرة عليه فالتاريخ يظهر أن الحروب الكبرى لا تبدأ دائما بقرار بل أحيانا بسوء تقدير وفي حرب الغربان قد تكون الشرارة الأصغر كافية لإشعال حريق لا أحد يملك القدرة على إطفائه، في المحصلة لا تبدو مهلة الأسبوعين سوى استراتيجية قصيرة في صراع طويل حيث تستخدم التهدئة كأداة ضمن معركة أكبر لا تزال ملامحها قيد التشكل بين تصعيد محتمل مع إيران، والأهم ليس من يوافق على المهلة لكن من يبقى ملتزما بها فالمهلة شملت لبنان وهو ما لا يوافق عليه نتانياهو، وهل ستلتزم طهران بهذه المهلة فطبيعة النظام السياسي بها تتداخل فيه مراكز القرار بين المؤسسات الرسمية والعسكرية مما يجعل من الصعب الجزم بمن يملك الكلمة النهائية في لحظات التصعيد فمع تعدد اللاعبين وتشابك الجبهات وتضارب المصالح قد لا يكون أخطر ما في هذه المواجهة هو ما يخطط له .