لم تكتبين يا روزانا؟ بقلم الأديبة الشاعرة روزانا السيد بغدادي

0

أكتب لأن قلبي صار كتاباً بلا غلاف
وأنا أحتاج أن أرى وجوهه تتشكل على الورق.

أكتب عن الحرب
عن المدافع التي تهز السماء
عن المدن التي تتحول إلى صمت من حجارة
وعن الأطفال الذين يركضون بلا مأوى
يبحثون عن حضن أمهاتهم بين الركام.

وأكتب عن السلام
عن الحلم الذي يزرع نفسه في الزوايا
عن اليد التي تمد للآخر بلا خوف
عن الأرض التي تنتظر أن تُعانق المطر
وتعود مدينة بلا دموع.

أكتب عن النزوح
عن الأرواح التي تحمل البيوت على أكتافها
عن الشوارع التي صارت أطيافاً
وعن القلوب التي تبحث عن وطنٍ في كل زاوية
وكل وجهٍ يحمل ذاكرة مهجرة.

أكتب عن الطائفية التي تفرق بين الناس
عن خطوطٍ غير مرئية تقسم الطرق والوجوه
عن أسماء تُنطق كأنها حكايات تُستعار
وعن القلوب التي تتعثر حين تلتقي
لكنها تصر على البحث عن الألوان خلف الغبار.

كل دفتيّ تفتح نافذة على زمن لم يُكتب
وكل كلمةٍ تحملني إلى أرواحٍ تركت وراءها كل شيء
أضمها في صدري
كي لا تتحول إلى رمادٍ ينسى نفسه في الريح.

أكتب كي لا تهرب الكلمات مني
وأصمت كي لا يهرب مني الوجود
كل حرفٍ يلمس وجعي
ويخرج مني امرأةً لا يعرف أحد حجم حزنها.

في صدري طرقات من النساء
واحدة تنادي
وأخرى تغيب
واحدة تتشبث بالذكرى
وأخرى تمضي
وأنا أظل أرتب الغياب بين يديّ
كي لا يتحول إلى فراغ قاتل.

أغار أحياناً من صمتي
لأنه يحمل كل ما لم أكتب بعد
لكنه يظل صامداً كما أنا
بين الكلمات وبين العالم.

أكتب عن الحب الذي لا يطلب شيئاً سوى أن يكون
عن اللحظة التي يصير فيها الآخر وطناً
وعن الغياب الذي يعلم الصبر دون أن يطفئ الشعلة
وعن اللقاء الذي يدرب القلب كيف يغني رغم كل الجراح.

أكتب كي أظل امرأة تحتضن كل الأرواح
ولا تنهار
كي أضم الفرح والحزن والدماء
والأرض التي تنهض من الرماد.

وأصمت حين يهمس لي الحبر:
دعينا نرتاح قليلاً
لتصبح الصفحات ماءً صافياً
ونصبح جميعاً ظلالاً
في حضرة الليل
حيث لا وجع
ولا فراق
ولا نهاية.
#روزانا_السيد_بغدادي