مقر “المينورسو” بالعيون يستقطب الوفود الأممية قبيل مداولات مجلس الأمن

0

تحوّل مقر بعثة الأمم المتحدة “المينورسو” بمدينة العيون، خلال الأيام الأخيرة، إلى نقطة استقطاب رئيسية لعدد من الوفود الدبلوماسية الرفيعة والخبراء الأمميين، في سياق دينامية ميدانية متسارعة تسبق انعقاد جلسات مجلس الأمن الدولي المقررة نهاية الشهر الجاري، والتي ستخصص لمناقشة تطورات ملف النزاع حول الصحراء المغربية.

بريطانيا تدعو إلى استئناف كامل لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز

وتشهد مقرات البعثة الأممية وتيرة متزايدة من الزيارات التي دشنتها وفود تمثل الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، إلى جانب لجان متخصصة في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، فضلا عن بعثات تقنية مكلفة بالتقييم والمراجعة الاستراتيجية؛ ما يعكس اهتماما دوليا بالمعطيات الميدانية المرتبطة بعمل “المينورسو” في المنطقة.

تحركات كثيفة
ووفق معطيات هسبريس، فإن هذه التحركات تندرج ضمن مسار تحضيري لإعداد تقارير تقييمية مفصلة ستُرفع إلى دوائر صنع القرار داخل الأمم المتحدة، بهدف بلورة صورة شاملة حول أداء البعثة وتطور الوضع الميداني، قبيل انطلاق النقاشات المرتقبة داخل مجلس الأمن.

وفي هذا السياق، أجرت وفود أممية رفيعة تضم مسؤولين من إدارة عمليات حفظ السلام سلسلة لقاءات مع المسؤولين المدنيين والعسكريين للبعثة، إضافة إلى اجتماعات تقنية مع قيادة القوات الأممية خُصصت لبحث التحديات المرتبطة بحرية التحرك داخل منطقة العمليات ومراقبة وقف إطلاق النار وتتبع التطورات في المنطقة العازلة.

كما شملت هذه الزيارات لقاءات مع مسؤولين مغاربة، إلى جانب اجتماعات مع أطراف معنية بالملف، في إطار مقاربة أممية تروم تجميع معطيات متعددة المصادر حول الأوضاع الميدانية والإنسانية؛ بما في ذلك زيارات موازية إلى مخيمات تندوف واجتماعات مع عدد من وكالات الأمم المتحدة المختصة.

وتدخل هذه الزيارات ضمن مراجعة أوسع لآليات اشتغال بعثات حفظ السلام، في ظل نقاش دولي حول ضرورة ربط استمرار هذه المهام بمدى تحقيق نتائج ملموسة في تسوية النزاعات.

وفي هذا الإطار، أشارت معطيات دبلوماسية إلى توجه أمريكي يدفع نحو إعادة تقييم جدوى بعض البعثات طويلة الأمد؛ من بينها “المينورسو”، وربط تفويضها بفعالية أكبر على الأرض.

ويأتي ذلك بالتزامن مع تصريحات لمسؤولين أمريكيين؛ من بينهم مايك والتز، الممثل الدائم للولايات المتحدة لدى مجلس الأمن، الذي أكد خلال جلسة استماع بالكونغرس على أهمية مراجعة استراتيجية عمل البعثة الأممية وتقييم فعاليتها في سياق التحولات الراهنة.

وتعزز هذه الدينامية التقييمية استعداد مجلس الأمن لعقد جلساته الدورية المقبلة، التي ستتضمن إحاطات يقدمها كل من ستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، وألكسندر إيفانكو، رئيس بعثة “المينورسو”، حول مستجدات المسار السياسي والتطورات الميدانية المرتبطة بتنفيذ مهام البعثة.

كما يُنتظر أن يشكل التقرير المرتقب، المنبثق عن هذه الزيارات والتقييمات الميدانية، مرجعا أساسيا داخل مداولات المجلس الدولي، في مرحلة مفصلية في مسار تدبير ملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة، وفي تقييم أداء بعثتها الميدانية.

محطات مفصلية
تعليقا على الموضوع، قال دداي بيبوط، الفاعل السياسي بالأقاليم الجنوبية، إن بعثة “المينورسو” التي تأسست في أبريل 1991 بموجب قرار مجلس الأمن رقم 690، جاءت في سياق قبول خطة التسوية بين المغرب وجبهة “البوليساريو”، على أساس ولاية انتقالية كانت تفترض تنظيم استفتاء لتقرير المصير؛ غير أن هذا المسار لم يرَ النور طوال أكثر من ثلاثة عقود، نتيجة تعقيدات سياسية ومواقف اعتبرها معرقلة لجهود التوصل إلى حل نهائي، ما جعل البعثة تشتغل في إطار متجدد للولاية يقتصر أساسا على مراقبة وقف إطلاق النار على طول الجدار الرملي.

وأوضح بيبوط، ضمن تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن التحول الجوهري في مسار الملف بدأ يتبلور مع الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية سنة 2020؛ وهو ما شكل منعطفا أعاد رسم موازين المقاربة الدولية، وفتح الباب أمام إعادة تموضع دبلوماسي لعدد من القوى الكبرى، بما أثر بشكل مباشر على السياق الذي تشتغل فيه بعثة المينورسو.

وأكد الباحث في الشؤون الصحراوية أن اعتماد مجلس الأمن للقرار رقم 2797 في أكتوبر 2025 مثّل محطة مفصلية في تطور تعاطي الأمم المتحدة مع هذا النزاع، بالنظر إلى ما حمله من إشارات سياسية جديدة؛ أبرزها الإحالة المتكررة إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي لسنة 2007، والدعوة إلى الانخراط في مسار تفاوضي على هذا الأساس، بما يعكس انتقالا تدريجيا في اللغة الأممية نحو مقاربة أكثر واقعية.

واسترسل المتحدث في القول إن القرار الأممي الجديد لم يكتف بتثبيت التحول في الخطاب؛ بل أسّس أيضا لمرحلة سياسية مختلفة، قوامها إعادة تعريف الإطار المرجعي لتسوية النزاع، والانتقال من منطق تدبير الوضع القائم إلى منطق البحث عن حل عملي قابل للتنفيذ، يراعي التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.

كما استحضر المحلل السياسي أن تواتر الزيارات الدبلوماسية الرفيعة إلى مقر “المينورسو” بمدينة العيون يعكس بدوره هذا التحول، باعتبارها زيارات تحمل أبعادا تقييمية واستطلاعية مرتبطة مباشرة بإعداد التقارير المرفوعة إلى مجلس الأمن قبيل مداولاته الدورية المقررة في جلستين نهاية الشهر الجاري.

وحسب بيبوط، فإن هذه الدينامية تعكس تداخلا بين المستويات العملياتية والسياسية والاستراتيجية، حيث تسعى الوفود الأممية إلى تقييم أداء البعثة على الأرض، في وقت تتشكل فيه مشاورات ميدانية موازية للنقاشات الدبلوماسية داخل أروقة الأمم المتحدة، بما يعزز مقاربة قائمة على المعطيات الميدانية بدل التصورات التقليدية.

واسترسل الباحث في خبايا النزاع في القول إن الانحياز والدعم الدولي المتزايد لموقف المغرب لم يأت من فراغ، بل يستند إلى قوة الطرح القانوني والسياسي للمملكة، وإلى أدوارها المتصاعدة كشريك أساسي في قضايا الأمن الإقليمي، بما في ذلك مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، وهو ما عزز موقعها داخل الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى.

وأنهى دداي بيبوط حديثه لهسبريس بالتأكيد على أن الحراك الدبلوماسي المكثف داخل مقر “المينورسو” يعد جزءا من إعادة تشكيل مقاربة المجتمع الدولي لملف الصحراء، في اتجاه يتجاوز الإطار المؤسس سنة 1991، نحو أفق سياسي جديد تتبلور فيه معالم تسوية أكثر واقعية وارتباطا بالمعطيات الميدانية الحديثة.

استحضار المعطيات الجيوسياسية
من جانبه، قال عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكا ووتش”، إن تواتر الزيارات الميدانية التي تقوم بها وفود دبلوماسية وسياسية وخبراء تابعون لعمليات حفظ السلام الأممية إلى مقر بعثة المينورسو بالعيون تندرج ضمن سياق سياسي ودبلوماسي يرتبط أساسا بإعادة تشكيل مقاربة الأمم المتحدة للتعامل مع ملف الصحراء.

وأضاف الكاين، ضمن إفادة لهسبريس، أن هذه التحركات المتزامنة، التي تأتي قبيل جلسات مجلس الأمن المخصصة لمناقشة هذا الملف، تعد مؤشرا على تحول في منسوب التعاطي الدولي مع النزاع، نحو مقاربات أكثر واقعية تستحضر المعطيات الجيوسياسية القائمة، بدل الاكتفاء بالمساطر الإجرائية التقليدية التي طبعت مراحل سابقة من تدبير هذا الملف.

وأكد المهتم بنزاع الصحراء أن المعطيات الراهنة تشير إلى بروز ثلاث ديناميكيات مترابطة؛ أولاها إعادة ملاءمة مواقف عدد من الفاعلين الدوليين الرئيسيين على ضوء الوقائع الميدانية المتغيرة، ولا سيما ما يتعلق بتكريس الحضور الإداري والاقتصادي والديمغرافي للمغرب في أقاليمه الجنوبية، وثانيتها تنامي الدعم الصريح لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها إطاراً واقعياً للحل، وثالثتها توجه أممي نحو مراجعة أدوات عمل المينورسو وتقييم مدى ملاءمة ولايتها للمرحلة الحالية.

ولفت المتحدث ذاته إلى أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 يشكل في هذا السياق محطة فارقة؛ بالنظر إلى ما تضمنه من إحالات متكررة على مبادرة الحكم الذاتي، واعتبارها أرضية جدية وذات مصداقية في مسار التفاوض، وهو ما يعكس، حسب تعبيره، “تحولا تدريجيا في اللغة الأممية نحو تبني مقاربة أكثر براغماتية”.

وبخصوص تواتر الزيارات إلى مقر المينورسو، أوضح الكاين أن الأمر لا يتعلق بعملية تقييم ميداني متعدد المستويات فقط، بقدر ما يهتم بالجمع بين البعد العملياتي المرتبط بفعالية البعثة والبعد السياسي المتصل بإعداد الأرضية لمداولات مجلس الأمن، إضافة إلى بعد استراتيجي يهم إعادة صياغة تصور المجتمع الدولي لمستقبل تدبير هذا النزاع المفتعل.

ونبه نائب منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية إلى أن هذا التحول، رغم طابعه التدريجي، يعكس إعادة تموضع في طريقة قراءة المجتمع الدولي لمفهوم تقرير المصير، عبر ربطه أكثر بآليات واقعية وقابلة للتنفيذ، وفي مقدمتها خيار الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية.

وأورد المصرح لهسبريس أن التحولات الجارية داخل دوائر القرار الأممي، بما في ذلك النقاش المتزايد حول مراجعة استراتيجية مستقبل المينورسو، تشير إلى انتقال تدريجي من منطق إدارة النزاع إلى منطق البحث عن تسوية قابلة للتطبيق، تستند إلى معطيات الميدان وإلى توازنات القوى الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، سجل الكاين أن الزخم الدبلوماسي الحالي في العيون يعكس عملية إعادة ضبط منظمة في مقاربة الأمم المتحدة لهذا الملف، حيث يتم الانتقال من مقاربة قائمة على الحياد الإجرائي إلى مقاربة أكثر ارتباطا بالنتائج، قوامها تعزيز الاستقرار ودعم مسار سياسي واقعي، في أفق بلورة حل نهائي ينهي حالة الجمود التي طبعت النزاع لعقود.