منطق القوة يعود بثوب جديد بقلم:شحاته زكريا
لم يغب منطق القوة يوما عن العلاقات الدولية لكنه كان أحيانا يتوارى خلف لغة القانون أو يختبئ تحت شعارات التعاون والشراكة. اليوم يعود هذا المنطق إلى الواجهة بثوب جديد أكثر تعقيدا وأقل صخبا لكنه أشد تأثيرا. عالم ما بعد الأزمات الكبرى لم يعد يحتمل الأوهام القديمة فالقوة لم تختف بل أعادت تعريف نفسها .. في النظام الدولي الراهن لم تعد القوة حكرا على الدبابات والأساطيل. صحيح أن السلاح ما زال حاضرا لكن أدوات النفوذ توسعت لتشمل الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد وحتى التحكم في الرواية الإعلامية. من يملك القدرة على التأثير في هذه المجالات يمتلك مفاتيح القوة الحديثة حتى وإن لم يطلق رصاصة واحدة .. اللافت أن هذا التحول لم يأتي نتيجة نظرية جديدة بل نتيجة تراكم صدمات متتالية. أزمات مالية عالمية جائحة أربكت العالم حروب أعادت الاعتبار للحدود وصراعات طويلة كشفت هشاشة النظام الدولي. في كل محطة تراجع دور القواعد المكتوبة وتقدم منطق الأمر الواقع. لم يعد السؤال: ما هو القانون؟ بل: من يستطيع فرض تفسيره؟
منطق القوة الجديد لا يعلن نفسه بصوت عال بل يعمل بهدوء. يُمارس عبر العقوبات بدل الاحتلال وعبر الضغوط الاقتصادية بدل المواجهة المباشرة وعبر التحالفات المرنة بدل الاصطفافات الصلبة. هو منطق يعرف أن الكلفة السياسية للحرب مرتفعة فيلجأ إلى أدوات أقل ضجيجا وأكثر فعالية .. في هذا السياق تعاني المؤسسات الدولية من اختبار فهي ولدت في زمن مختلف حين كان التوافق ممكنا وحين كانت موازين القوة أكثر استقرارا. أما اليوم فهذه المؤسسات تجد نفسها محاصرة بعجزها عن فرض قراراتها أو حتى الحفاظ على حيادها. والنتيجة أن الثقة فيها تتآكل وتتحول من مرجع إلى ساحة صراع بحد ذاتها.
الدول الكبرى من جانبها لم تعد تخفي نزعتها البراغماتية. القيم تستدعى حين تخدم المصلحة وتؤجل حين تعيقها. الخطاب الأخلاقي ما زال حاضرا لكنه أصبح انتقائيا يستخدم لتبرير الفعل لا لضبطه. وهنا يكمن الخطر: حين تفقد القيم صفتها الجامعة تتحول إلى أدوات صراع إضافية.
أما الدول المتوسطة والصغيرة فتجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدا. لم يعد الانحياز الكامل خيارا آمنا ولا الحياد ضمانة كافية. المطلوب اليوم هو إدارة ذكية للموقع وقدرة على المناورة وبناء عناصر قوة ذاتية ولو محدودة. فالعالم الذي تحكمه القوة لا يرحم الفراغ ومن لا يملك أوراقا يُفرض عليه اللعب بأوراق غيره ..منطق القوة في ثوبه الجديد لا يلغي السياسة بل يعيد تشكيلها. التفاوض ما زال قائما لكنه يجري من مواقع غير متكافئة. الاتفاقات تبرم لكنها تظل قابلة لإعادة التفسير. والاستقرار لم يعد حالة دائمة بل هدنة مؤقتة رهن بتغير المصالح .. ورغم هذا المشهد القاتم لا يعني صعود منطق القوة نهاية العقل. على العكس هو يفرض على الفاعلين الدوليين إعادة التفكير في أدواتهم. القوة العارية قد تفرض واقعا لكنها نادرا ما تصنع سلاما. والهيمنة قد تخضع لكنها لا تبني شرعية. لذلك يبقى التحدي الحقيقي هو إيجاد توازن بين القوة والمسؤولية بين النفوذ والاستدامة .. في النهاية منطق القوة يعود نعم لكنه ليس كما كان. هو أكثر تعقيدا، وأكثر تشابكا، وأقل قابلية للسيطرة. عالم اليوم لا يُدار بقانون الغاب وحده ولا بحلم المدينة الفاضلة. هو مساحة رمادية يتقاطع فيها الطموح بالخوف، والمصلحة بالقيم. ومن يفهم هذا التعقيد يملك فرصة أفضل للنجاة وربما للتأثير.
منطق القوة يعود بثوب جديد والسؤال لم يعد هل نقبله أو نرفضه بل كيف نتعامل معه دون أن نفقد ما تبقى من معنى للنظام، وللسياسة وللفكرة ذاتها.
