نور داش تكتب : اللهجة المصرية: القوة الناعمة التي “تسيّح” الفوارق اللغوية
إذا كانت اللغة العربية الفصحى هي “البدلة الكلاسيكية” التي نرتديها في المناسبات الرسمية، فإن اللهجة المصرية هي “التيشرت والبنطلون الجينز” الذي لا تستطيع خلعه حتى وأنت نائم. هي ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي حالة شعورية، ومنظومة تشفير معقدة، وقدرة خارقة على اختصار المعاني بكلمة واحدة قد تعني الشيء وعكسه تماماً في نفس الوقت.تتميز هذه اللهجة بمجموعة من “الاختراعات” التي لم يسبقنا إليها أحد في تاريخ اللسانيات، التي تدخل في قاموس “الهبد” الجميل الذي حير علماء اللغويات وأثار تساؤلات كثيرة عن ماهية هذة اللغة التي تكتب في أغلب الاحيان كما هي, وعندما نتعمق اكثر فأننا نجد ثلاثة محاور لها (لغة الصحافة المصرية – تطور لغة المصريين عبر العصور – ماهية اللهجة المصرية).
1. لغة الصحافة في مصر : هي لغة “حية” تتطور بسرعة مذهلة، حيث تعيد تدوير المصطلحات التي تظهر على منصات التواصل الاجتماعي وتدمجها في نسيج المقالات والتقارير اليومية تتسم لغة الصحافة المصرية بكونها مزيجاً فريداً يجمع بين الرصانة اللغوية والمرونة التي تفرضها طبيعة المجتمع المصري، كنوع من الفصحى العصرية حيث تستخدم الصحافة المصرية في المقام الأول اللغة العربية الفصحى الحديثة (Modern Standard Arabic). وهي لغة تبتعد عن التعقيد والتقعر اللغوي القديم، وتميل إلى البساطة لضمان وصول الرسالة لجميع فئات المجتمع، من المثقف إلى القارئ العادي, وهي التي يتم تدريسها في المراحل التعليمية الاساسية, وتتميز الصحافة المصرية بخصوصية شديدة مقارنة بباقي الصحافة العربية،من حيث استخدام العامية المثقفة: كثيراً ما تُستخدم الألفاظ العامية الدارجة في العناوين (خاصة في الصحف المستقلة والرياضية والفنية) لجذب الانتباه وإضفاء صبغة “ابن البلد” على الخبر, كما يوجد تراث ضخم في الصحافة المصرية لكتابة مقالات الرأي بالعامية المصرية الخالصة، وهو فن برع فيه كبار الكتاب مثل أحمد رجب ومحمود السعدني, تحت عنوان المقالات الساخرة التي تعتمد على الاختصار والتشبيهات واحيانا الاقتراض اللغوي, فلا تجد حرجاً في تعريب المصطلحات الأجنبية (مثل: تريند، براند، لوجستيات) بدلاً من البحث عن بدائل معقدة في القواميس.
2. تطور لغة المصريين عبر العصور : يخلط الكثيرين بين الفتح الاسلامي ودخول العرب وبين انتشار اللغة والدين الاسلامي في مصر, ولكن التاريخ له رأي اخر, للتوضيح يلزمنا ان نعود للعصر الروماني والبيزنطي مسبقا, فكان هناك علاقة تجارة وفلسفة بين المصرية واليونانية, فكلتا اللغتين تأثرتا بالاخرى, الى ان دخلت اللغة اليونانية في الدواوين الملكية بجانب اللغة المصرية, أما عن كلمة قبط, فعندما جاء الإغريق (اليونانيون القدماء) إلى مصر، وجدوا صعوبة في نطق “حت-كا-بتاح”، احد اسماء مدينة منف, فقاموا بتحريفها في لغتهم إلى كا بت , واضافو لاحقا مخصص الاسماء اوس في نهاية الكلمة لتصبح لاحقا “أيجيوبتوس” (Aigyptos/Αἴγυπτος). ثم انتقلت الكلمة إلى اللاتينية وأصبحت “Aegyptus”. ومنها اشتق الاسم الإنجليزي “Egypt” والفرنسي “Égypte”, أما جيراننا من الشرق فنطقو كلمة كا-بت بلهجتهم وتحولت الى قبط ومعناها مصر, (ساكن أرض إيجيبت) قبل أن تأخذ لاحقاً دلالة دينية مسيحية. والجدير بالذكر ان عمرو بن العاص دخل مصر في عام 640-642م, ولم يتم فرض اللغة العربية او الدين الاسلامي نهائيا, الى ان جاء القرار التاريخي بفرض اللغة العربية كلغة رسمية للدواوين (الإدارة الحكومية) في مصر اتخذه الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وتم تنفيذه في عهد ابنه والي مصر عبد الله بن عبد الملك عام 706 م, لعدم قدرته من قراءة وكتابة اللغة المصرية وهذا ما جعله يتخوف من عدم ادارة الدولة على النحو الصحيح ومراجعة الخراج, فقرر “تعريب الدواوين” كانت الدواوين في مصر تُدار باللغة اليونانية (لغة الإدارة البيزنطية السابقة) وباللغة القبطية (لغة أهل البلاد)، وكان الموظفون (الكَتَبة) معظمهم من المصريين. بعد القرار: أمر الخليفة بأن تصبح العربية هي اللغة الوحيدة للمكاتبات الرسمية والسجلات المالية والخراج. ليتمكن من القراءة وايضا لتثبيت أركان الدولة الأموية وبسط نفوذ الخلافة لغوياً وإدارياً. مما دفع الموظفين المصريين لتعلم العربية لضمان بقائهم في وظائفهم، مما أدى لبدء حركة تعريب ولكن محدودة النطاق. حيث انه لم يتخلَّ المصريون عن لغتهم (القبطية) فوراً؛ فقرار التعريب كان إدارياً في البداية. استمر الشعب في التحدث بالقبطية في حياته اليومية لعدة قرون، وظلت الكنيسة تستخدمها. ثم جاء عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (386 – 411 هـ / 996 – 1021 م) نقطة تحول حاسمة وعنيفة في تاريخ اللغة في مصر، حيث انتقل التعريب من “الإدارة والدواوين” إلى “الشارع والمنزل” بقرارات صارمة. وذلك بعد اعتناق عدد كبير من المصرين للدين الاسلامي , ايضا قام البعض بشراء انساب عربية تجنبا لدفع الجزية , مما ادي لانخفاض الايرادات الذهبية والغذائية والتي كانت تعتمد على مصر بشكل كامل , وعليه, أصدر الحاكم بأمر الله مراسيم تمنع المصريين (سواء المسلمين أو المسيحيين الذين كانوا لا يزالون يتحدثون القبطية) من استخدام اللغة القبطية في الأماكن العامة والأسواق، بل ووصل الأمر إلى محاولة منعها داخل المنازل. تقول بعض الروايات التاريخية (مثل ما ذكره المقريزي وابن إياس) إنه أمر بقطع لسان كل من يتحدث بغير العربية في الطرقات. ورغم أن المؤرخين يختلفون حول مدى تنفيذ هذه العقوبة حرفياً على نطاق واسع، إلا أن مجرد التهديد بها خلق حالة من الرعب دفعت الناس لترك لغتهم الأصلية بسرعة خوفاً على حياتهم. ولم ينجو من هذا القرار سوى الانجيل, الذي مازال حتى الان يكتب ويقرا باللغة المصرية القديمة, كما في كنيسة الأنبا باخوم بقرية الزينة بحري في محافظة الأقصر.
يُعتبر عصر الحاكم بأمر الله هو العصر الذي “قُتلت” فيه اللغة القبطية كلغة تخاطب يومي (لغة حية)، وتحولت بعدها لتصبح لغة طقوس دينية داخل الكنائس فقط، بينما سادت العربية كلغة رسمية وشعبية وحيدة في مصر.

3. ماهية اللهجة المصرية : رغم هذا القمع، لم ينجح الحاكم بأمر الله في محو “روح” اللغة المصرية القديمة؛ فالمصريون الذين أُجبروا على التحدث بالعربية، نطقوها بمخارج حروف وقواعد نحوية مصرية، وهي التي شكلت بذور “العامية المصرية” التي نتحدث بها اليوم, حيث تُشير التقديرات اللغوية إلى أن الكلمات ذات الأصل العربي تشكل الكتلة الأكبر في لغة الصحافة المصرية، بنسبة تتراوح بين 70% إلى 85% من إجمالي المفردات المستخدمة. اما بالنسبة للهجة العامية فهناك اختلاف جذري, فالكلمات ذات الاصل العربي الخالص لا تتعدي ال40% نظرا لان اللغة المصرية القديمة هي في الاساس جزء من مجموعة لغات تكونت منها اللغة العربية, ويقدر الباحثون وجود ما بين 10% إلى 15% من المفردات التي لا تزال تُستخدم وجذورها مصرية قديمة أو قبطية. تشمل هذه الكلمات مصطلحات تتعلق بالزراعة، الأدوات المنزلية، والكلمات العاطفية (مثل: إردب، شونة، بعبع، ياما، نونو، مم), اما عن باقي المصطلحات والكلمات اليومية المستخدمة في العامية, فهناك لغات اخرى عديدة كالتركية والايطالية والفرنسية .., وكلمات اخرى نابعة من المصريون انفسهم ليس لها علاقة بلغات العالم مثل( فكسان, وسيكا, وسبوبة, والسبنسة… الخ)
ولكن, لماذا يفهمنا الجميع؟ (سر الخلطة)

الصحافة المصرية قديماً والسينما حديثاً قامت بـ “غسيل مخ” جماعي للوطن العربي. وبفضل “عادل إمام” و”نجيب الريحاني”، أصبح المواطن في أقصى المغرب أو المشرق يعرف تماماً معنى “يا لهوي” و”يا نهار أبيض”، لدرجة أن البعض يتحدث المصرية أفضل من المصريين أنفسهم حين يريدون “التنكيت” أو إلقاء “إفيه”.إن “اللهجة المصرية: لغة لا تدرس في الجامعات، بل تُكتسب بالعدوى.. والشفاء منها مستحيل!”
هل تعتقد أن “خفة الدم” هي التي فرضت اللهجة المصرية على العرب، أم أن “السينما” كانت هي المتحدث الرسمي والملحن الوحيد الذي جعل آذانهم تعشق هذا الضجيج الجميل؟
بقلم: محرر “تحت القصف” اللغوي: نور داش
