هرمز.. معركة كسر عظم الحرس الثوري الأخيرة

0

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي يربط الخليج العربي بمياه العالم المفتوحة، بل بات ساحة لمعركة من نوع مختلف؛ معركة تتشابك فيها أوراق النفوذ، وتتصادم فيها مفاهيم السيادة والردع والعقلانية السياسية.
ففي حين يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى فرض معادلة جديدة في هذا الممر الحيوي، يرسم الحرس الثوري الإيراني استراتيجيته الأخيرة للبقاء بعد سلسلة من الانتكاسات المتراكمة.

أميركا تدمّر زوارق إيرانية… وطهران تتحدث عن «معادلة جديدة» في «هرمز» (تغطية حية)

في هذا السياق المتشعب، حلل كل من الباحث في مركز الإمارات للسياسات محمد الزغول، ومحلل الشؤون الأميركية في سكاي نيوز عربية بول سالم طبيعة ما يجري، مقدمين قراءة معمقة لمسار الأزمة وتداعياتها، تكشف عن هشاشة المشهد الدولي ومأزق طهران ومعضلة واشنطن في آنٍ واحد.

المضيق ورقة الابتزاز الأخيرة.. لماذا يعد فتحه انتصارا استراتيجيا؟

يرى الزغول أن الرد المثالي على التصعيد الإيراني لا يكمن بالضرورة في الضربات العسكرية المتجددة، وإن كان يقر بوجود المخارج القانونية التي تتيح للرئيس الأميركي استئناف العمليات متى شاء، مستنداً إلى حق الدفاع عن النفس وعن مصالح الحلفاء.

غير أن الزغول يرتكز في تحليله على هدف أعمق وأجدى؛ وهو فتح مضيق هرمز وتحريك السفن المحتجزة تحت الحماية الأميركية، معتبرا أن ذلك بحد ذاته سيمثل إنجازا استراتيجيا نوعيا.

ويفسر الباحث هذه الرؤية بالإشارة إلى أن الحرس الثوري الإيراني طالما تباهى بأن القوات الأميركية لا تجرؤ على دخول المضيق أو الخروج منه، فإذا ما كسرت هذه المعادلة وتحركت البوارج الأميركية بحرية في هذه المياه، فإن الهيبة التي بناها الحرس على مدى سنوات ستنهار في لحظة واحدة.

ويضيف الزغول أن الحرس الثوري استشعر هذا الخطر الوشيك وهو ما دفعه إلى افتعال صراع جانبي عبر الهجوم الأخير، سعيا منه لصرف الأنظار عن الهدف الحقيقي وإفشال مسار تحرير الملاحة في المضيق.

ويخلص الزغول إلى أن الحرس الثوري فقد جزءا كبيرا من برنامجه الصاروخي، فيما تلقى برنامجه النووي ضربات موجعة، مما جعل المضيق آخر أوراقه الضاغطة على العالم، إذ يعتمد عليه أداة للابتزاز والمساومة.

وبالتالي فإن أي إجراء أميركي ينهي هذه الورقة يعني فعليا نزع سلاح الإكراه الأخير من يده.

طهران بلا نظام.. حين تتحول الدولة إلى ميليشيا

يقدم الزغول توصيفا لافتا للواقع الإيراني الراهن، إذ يرى أن الحديث عن “نظام سياسي” في إيران بات مجرد وهم، مشيراً إلى أن المؤسسات التقليدية كمجلس صيانة الدستور ومجلس الخبراء ومجلس تشخيص مصلحة النظام والمجلس الأعلى للأمن القومي، لم تعد تنعقد أو تعمل بصورة منتظمة. ويرى أن ما تبقّى من هذا الهيكل يختزل في “ظل قائد أعلى غائب” تحوم من حوله ميليشيا منفردة بقرار السلاح.

ويحذر الزغول مما يصفه بالخطأ المنهجي الذي يقع فيه كثير من المحللين، وهو مقاربة السلوك الإيراني وفق منطق الدول ومعايير العقلانية السياسية، في حين أن الفاعل الحقيقي على الأرض هو تنظيم ميليشيوي لا تحكمه قواعد الدبلوماسية ولا يعبأ بموازين السياسة المتعارف عليها.

ويصف الزغول هذه الحالة بتعبير بالغ الدلالة: “التفاوض مع هذا الكيان كمن يلعب الشطرنج مع غوريلا، لا يعرف في أي لحظة ستقلب الطاولة وما عليها من أحجار”.

ويستدل الزغول بتجارب سابقة من التاريخ القريب، مشيرا إلى أن دول المنطقة لم تتمكن من القضاء على خطر تنظيمي داعش والقاعدة إلا من خلال تحالفات دولية واسعة جمعت بين المقاربات العسكرية والسياسية والدبلوماسية والثقافية في آن واحد، وهو نهج يرى أنه ينبغي أن يعاد توظيفه في مواجهة الخطر الميليشيوي الإيراني.

منظور واشنطن

من زاوية مختلفة، يقر بول سالم بأن المنظار الأميركي يتباين جوهريا عن نظيره الإسرائيلي في رسم صورة الأزمة وتقدير أولوياتها.

ويلفت إلى أن شريحة واسعة داخل الإدارة الأميركية تتشارك الموقف من طبيعة النظام الإيراني، بيد أنها تثير تساؤلات جدية حول مسوغات التدخل العسكري الأميركي المباشر في أزمة بعيدة جغرافيا وغير مرتبطة ارتباطا مباشرا بالأمن القومي الأميركي.

ويرى سالم أن هذا الجدل يمثل التحدي الأكبر أمام الرئيس ترامب، لا سيما أنه يواجه مقاومة داخلية لا من الحزب الديمقراطي وحده، بل من أجنحة داخل حزبه الجمهوري نفسه، وهي مقاومة تنطلق أساساً من قراءة مغايرة للمصالح الأميركية لا من اختلاف في تقييم طبيعة النظام الإيراني.

ويضيف سالم بعدا زمنيا استراتيجيا يراه كثيرون داخل دوائر القرار الأميركية، وهو أن عامل الوقت ليس في صالح طهران. فالمشهد الداخلي الإيراني يتسم بانهيار اقتصادي حاد وبمعارضة شعبية عارمة سبقت الحرب وستزداد اشتعالا في أعقابها، في حين باتت استراتيجيته الإقليمية في حالة إخفاق شامل وعجز عن حماية ترابه الوطني ذاته.

ويستحضر سالم مقارنة تاريخية لافتة، إذ يشبه الوضع الإيراني في مرحلة ما بعد الحرب بوضع نظام بشار الأسد في سوريا بعد عام 2012، حين ظل النظام صامدا شكليا لسنوات قبل أن يتداعى من الداخل لا من الخارج، ملمحا إلى أن واشنطن تدرس خيارات موازية بعيدة المدى، في مقدمتها دعم حراك داخلي في إيران عبر قنوات مختلفة.

شلل دولي وتفكك في منظومة التحالفات

يتوقف الزغول عند واحدة من أعمق معضلات المشهد الراهن، وهي حالة التفكك الحادة التي أصابت منظومة التحالفات الدولية.

ويرى أن من أبرز ما أفرزته هذه الأزمة كشفَها للهشاشة البنيوية التي تعانيها المؤسسات الدولية والإقليمية على حدٍ سواء؛ فمجلس الأمن بات مشلولا عمليا، إذ لا يفضي أي قرار أميركي إلا إلى فيتو روسي أو صيني، والعكس بالعكس.

بيد أن الزغول يوسع دائرة هذا التشخيص لتطال منظومات التعاون الإقليمي كافة؛ فتحالف شنغهاي الذي يضم إيران وروسيا والصين ثبت أنه لا وجود حقيقيا له حين جاءت اللحظة الفارقة.

وعلى النقيض من ذلك، شهد تحالف الناتو والغرب هو الآخر تشققات بنيوية. فضلا عن ذلك، أبدت منظمات العمل العربي والإسلامي المشترك ضعفا صارخا يكشف عن فراغ حقيقي في منظومة العمل الجماعي.

ويستشهد الزغول بالموقف الإماراتي باعتباره نموذجا لإعادة قراءة المشهد، إذ أشار إلى أن دولة الإمارات باتت تراجع من جديد علاقاتها الخارجية ومفاهيم الأمن الإقليمي في ضوء ما كشفته هذه الأزمة من ثغرات.

ورغم قتامة الصورة، يرى الزغول أن ثمة إيجابية واحدة يمكن استخلاصها من هذه التجربة: إنها فتحت الأعين على نقاط الضعف الهيكلية الموجودة في المنظومتين الإقليمية والدولية، وقد تكون نقطة انطلاق نحو إعادة بنائهما على أسس أمتن.

المسارات المحتملة

يرسم سالم 3 مسارات رئيسية يرجح أن يتحرك الوضع على إحداها أو مزيج منها في المرحلة القادمة.

المسار الأول هو التصعيد العسكري المحدود، إذ يرى أن أميركا وإسرائيل لن تصمتا على الهجمات التي طالت الحلفاء، مما ينذر بردود فعل موجعة في المدى القريب.

أما المسار الثاني فهو المسار التفاوضي الذي لا يزال ساريا وفق سالم، مشيرا إلى تبادل مقترحات متواصل بين واشنطن وطهران، بما يوحي بأن هذا التصعيد ربما لا يعدو كونه ورقة ضغط في المراحل الأخيرة من مساعٍ للتوصل إلى صفقة شاملة.

في حين يتمثل المسار الثالث في الخيار العسكري المتعلق بضمان حرية الملاحة في هرمز، وهو ما أعلنه ترامب صراحة.

ويلاحظ سالم أن هذا التحرك الأميركي هو بالذات ما ربما أقلق الإيرانيين ودفعهم إلى التصعيد، مما يشير بصورة معاكسة إلى أن هذا المسار قد يكون الأكثر نجاعة.

غير أن سالم يُنبه إلى أن فاعلية أي من هذه المسارات تبقى مرهونة إلى حد بعيد بمدى قدرة واشنطن على إعادة بناء جسور التحالف مع حلفائها، الذين تراجعت علاقاتهم مع الإدارة الأميركية الحالية إلى مستويات متدنية غير مسبوقة في ظل نهج ترامب الذي يشكك في جدوى هذه التحالفات.

ويذكر سالم بأن الأسطول الأميركي وإن كان يمتلك قدرات هائلة، فإن مشاركة الأساطيل الأوروبية وغيرها ستضاعف من الثقل الميداني والسياسي لأي عملية في هرمز.