بعد 53 عاما.. ماذا بقي من روح أكتوبر في جيل جديد؟.. بقلم: شحاته زكريا
مع كل خريف وحين تطل علينا ذكرى السادس من أكتوبر تعود الشاشات لتبث المشاهد ذاتها شريط التسجيلات القديم بالأبيض والأسود خراطيم المياه وهي تجرف الساتر الترابي الأعلام المرفوعة على الضفة الشرقية والأغاني الوطنية التي شكلت وجدان أجيال كاملة. غير أننا اليوم ونحن نقف على مشارف العام الثالث والخمسين لتلك الملحمة نجد أنفسنا أمام مفارقة إنسانية وجيلية لافتة فالمسافة الزمنية اتسعت وجيل الآباء والأجداد الذين عاشوا غبار المعركة وذاقوا مرارة الانتظار في طوابير الجمعيات ولوعة الاستنزاف بدأوا يرحلون في صمت تاركين وراءهم أجيالا جديدة وُلدت في عالم مختلف تماما عالم لا يعرف أصوات صفارات الإنذار ولا إظلام النوافذ بورق الكربون الأزرق وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز الهروب منه: ماذا تعني روح أكتوبر لشاب في مطلع العشرينيات من عمره اليوم؟ هل هي مجرد إجازة رسمية في مطلع الخريف وفصل في كتاب التاريخ المدرسي يحفظ لاجتياز الامتحان أم أن في باطن ذلك النصر شفرة جينية حية قادرة على إلهام واقع شديد التعقيد ومختلف التحديات؟ إن الخطر الأكبر الذي يهدد الذاكرة الوطنية ليس النسيان بل التحنيط أي تحويل الأحداث العظام إلى طقوس فولكلورية مكررة وخطب منبرية معلبة تفقد حرارتها مع الوقت. الجيل الجديد بطبيعته التي تشكلت في عصر الرقمنة والمعلومات المفتوحة والأسئلة القلقة لا يستجيب للشعارات الإنشائية الرنانة ولا يقبل الحكايات المبتورة التي تُسقط التفاصيل الإنسانية لحساب البطولة الأسطورية. هذا الجيل لا يريد أن يسمع فقط عن لحظة عبور القناة ورفع العلم بل يريد أن يفهم: كيف استطاع مجتمع كان يتجرع مرارة هزيمة قاسية عام 1967 واقتصاده شبه منهار وأرضه محتلة أن يلملم شتات روحه ويبني من بين الركام جيشا ينتصر وشعبا يصبر ست سنوات كاملة دون أن ينكسر ظهره؟
السر الذي نحتاج نقله بصدق إلى هذا الجيل ليس في تكتيكات العبور العسكرية وحدها فتلك يدرسها الخبراء في الأكاديميات بل في ثقافة ما قبل العبور. الروح الحقيقية لأكتوبر تجلت في العلم الذي سبق الطلقة الأولى في الضابط والمهندس الذي جلس يحسب سرعة تدفق المياه لإسقاط خط بارليف في الطبيب الذي ابتكر حلولا لنقل بلازما الدم في بيئة صحراوية قاسية وفي الفلاح والعامل البسيط الذي تحمل تقشفا قاسيا واقتسم رغيف الخبز برضا تام لأن عينه كانت معلقة بهدف أكبر وأسمى من مجرد تدبير يومه.
إن الجيل الجديد اليوم يخوض معاركه الخاصة وهي معارك لا تقل شراسة ولا تعقيدا عن معارك السلاح وإن غابت عنها المدافع. إنه يواجه ضغوطا اقتصادية عالمية غير مسبوقة وأسواق عمل متقلبة تبتلع الوظائف التقليدية، وأزمة هوية عميقة تصنعها خوارزميات منصات التواصل التي تحاول عزله عن جذوره وتفريغ عقله من أي معنى للمسؤولية الجماعية. هذا الجيل تائه بين رغبة مشروعة في النجاة الفردية وبناء مستقبله الشخصي وبين شعور بالثقل أمام تحديات بلاده ولهذا تحديدا تصبح روح أكتوبر احتياجا حيويا وليس ترفا نوستالجيا. روح أكتوبر هي الترياق ضد وباء الإحباط والعدمية والقول السهل بأن لا فائدة ترجى. إنها البرهان العملي المكتوب بدماء حقيقية فوق رمال سيناء على أن أسوأ الهزائم يمكن أن تتحول إلى أعظم الانتصارات إذا ما اقترنت الإرادة بحسن التدبير والتضحية بالعلم والإيمان بالعمل الشاق ما بقي من أكتوبر في أعماق هذا الجيل هو ذلك الاستعداد الفطري المدفون تحت قشرة الانشغال اليومي للاستجابة حين ينادي الواجب. لقد رأينا هؤلاء الشباب الذين اتهمهم البعض بالسطحية وتضييع الأوقات على الشاشات كيف انتفضوا في كل أزمة هددت أمن بلادهم القومي وكيف تحركت في عروقهم حميّة أجدادهم عند أي مفترق طرق مصيري؛ إنهم لم يفقدوا البوصلة لكنهم يبحثون عن مشروع وطني واضح يملأ فراغ أرواحهم ومساحة ثقة حقيقية تُتاح لهم ليشاركوا في البناء كما شارك آباؤهم في التحرير.
إن تكريم أبطال أكتوبر الحقيقي بعد أكثر من نصف قرن لا يكون بتكرار الأغاني نفسها بل بتمكين هذا الجيل الشاب من أدوات العصر الحديث بالتعليم الرصين الذي يطلق العنان لإبداعه، بالبحث العلمي الذي يُحصّن قراره الوطني وبالاقتصاد الإنتاجي الذي يحميه من العوز والارتهان. أكتوبر لم تكن معركة للماضي بل كانت استردادا للكرامة كي يُفتح باب المستقبل وحين يدرك الشاب اليوم أن مهندس البرمجيات الذي يطور نظاما يحمي بيانات وطنه والطبيب الذي يبيت ساهرا في وحدة صحية بالريف والمعلم الذي يغرس في تلاميذه حب المعرفة والصانع الذي يرفع جودة إنتاجه لينافس في العالم.. أن كل هؤلاء هم الامتداد الطبيعي لجنود المشاة الذين عبروا القناة في وضح النهار حينها فقط نكون قد نقلنا الشعلة بأمانة وتتحول ذكرى النصر من مناسبة في التقويم إلى طاقة دافعة لوطن يستحق أن يعيش عزيزا ومتقدما بين الأمم.
