العالم يعيد توزيع أوراقه.. ومصر تعيد ترتيب مقعدها بقلم: شحاته زكريا
لم يعد المشهد الدولي هو ذاته الذي استقرت عليه قواعد اللعبة لعقود خلت فالقوة الاقتصادية تتجه شرقا وسلاسل الإمداد العالمية يعاد رسمها تحت وطأة الصراعات وتقلبات الجغرافيا السياسية بينما تحولت الممرات الملاحية وأسواق الطاقة إلى أدوات تفاوض استراتيجي لا تقل حساسية عن الاتفاقات الأمنية الكبرى. في عالم بهذه السيولة لا تملك الدول ترف الاكتفاء بحراسة مواقعها القديمة أو الركون إلى ثوابت الماضي بل بات لزاماً عليها إعادة اكتشاف القيمة الحقيقية لما تملكه وتنويع دوائر حركتها مع طرح السؤال الأكثر واقعية: ماذا نريد بالتحديد من هذا العالم الجديد؟
في هذا السياق المتسارع يكتسب إعلان القاهرة وسيول رفع علاقاتهما الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية والبدء في مفاوضات اتفاق شراكة اقتصادية شاملة دلالة تتجاوز الإطار الدبلوماسي المعتاد. فالاتفاقيات التي تشمل قطاعات حيوية مثل بناء السفن والصناعات الدفاعية وتكنولوجيا المعلومات والطاقة النظيفة ليست مجرد بروتوكولات احتفالية تضاف إلى سجل العلاقات بل هي اختبار صريح لقدرة الطرفين على ترجمة التفاهمات إلى واقع إنتاجي ملموس…الخبر الحقيقي هنا لا يكمن في مسمى الشراكة ولا في توقيع وثائقها بل في الإجابة عن سؤال الجدوى.ماذا ستجني مصر على الأرض؟ لم تعد القاهرة بحاجة إلى مجرد زيادة في أرقام التبادل التجاري تكرس تدفق السلع الاستهلاكية بل أصبحت أولويتها القصوى هي توطين الإنتاج وجذب الخبرة الصناعية الكورية بتفاصيلها الدقيقة بنقل التكنولوجيا، وتأهيل الكوادر، ودمج الشركات المحلية داخل سلاسل الإمداد الدولية.. من هنا يبرز مشروع إقامة منطقة صناعية كورية متكاملة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كحجر زاوية في هذه الرؤية. إن تحويل هذا الطرح إلى قاعدة للتصنيع والتصدير نحو الأسواق العربية والإفريقية والأوروبية استنادا إلى شبكة الاتفاقات التجارية لمصر، هو ما يمنح الجغرافيا قيمتها الحقيقية. فالأزمة الممتدة في حركة الملاحة بالبحر الأحمر أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن الاعتماد على عوائد رسوم المرور وحدها مقامرة غير مأمونة وأن السفينة العابرة يجب أن تصبح جزءا من منظومة قيمة مضافة أوسع تشمل التموين، والصيانة، والصناعات التكميلية، وإعادة التصدير.. ولعل التجربة التنموية لكوريا الجنوبية نفسها تقدم لنا الدرس الأكثر إلهاما في هذه المرحلة فلم تصنع سيول نهضتها بفضل وفرة الموارد الطبيعية بل بفضل بناء نموذج متكامل يرتكز على المعرفة والانضباط الصناعي والاستثمار في العقل البشري. واليوم ونحن نرى كوريا تطلق خططا كبرى للتحول الصناعي والأخضر فإن رهان المفاوض المصري يجب أن ينصب على ما سيبقى بعد تشييد المصانع: هل سنكتفي بعمالة تقليدية أم سنخرج بكوادر هندسية وإدارية قادرة على توطين التكنولوجيا وتطويرها؟ إن الانفتاح على التجربة الآسيوية المتصاعدة يؤكد أن العالم متعدد الأقطاب يمنح مصر مرونة غير مسبوقة في تنويع خياراتها شريطة ألا تتحول العلاقات إلى مجرد التقاط صور وتوقيع مذكرات تفاهم تودع في الأدراج. العالم الجديد تحكمه لغة المصالح المتشابكة ومصر تمتلك الموقع، والقناة، والعمالة، والبنية التحتية، لكن التحدي يكمن في ربط هذه الأصول بمنظومة إنتاجية موحدة تفرض حضورها على الخريطة الاقتصادية الدولية. فالأمم لا تحتل مقاعد الصدارة بالحديث عن أهميتها وموقعها بل بامتلاكها قيمة تصنيعية وعلمية لا يستطيع العالم الاستغناء عنها.
