المنطقة التي تتغير خرائطها.. من يملك حق رسم النهاية؟ بقلم: شحاته زكريا
ليست المرة الأولى التي تعاد فيها كتابة خرائط الشرق الأوسط بحبر الفوضى ولن تكون الأخيرة. فمنذ أن قررت قوى الاستعمار القديم بقلم رصاص ومسطرة أن ترسم حدودا فوق رمال المتحركة والمنطقة تدور في حلقة مفرغة من المخاض المستمر. غير أن ما يجري اليوم على تخومنا وفي قلب إقليمنا يتجاوز بكثير تعديل خطوط أو اقتطاع نفوذ إنه مخاض حضري وسياسي عاصف يعيد هندسة الموازنات ويختبر قدرة الدول العريقة على البقاء ويطرح السؤال الأثقل والأكثر إلحاحًا على طاولة التاريخ: من يملك حقا حق رسم النهاية؟ حين تشتعل الساحات وتتداعى الدول وتتطاير شظايا الحروب فوق رؤوس المدنيين يتوهم الوهمون أن الميدان ملك لمن يملك السلاح الأكثر دموية أو الخطاب الأكثر صخبًا. لكن قراءة التاريخ العميق تعلمنا درسًا قاسيًا وبسيطا القوة العسكرية وحدها لا ترسم خرائط مستدامة والحديد والنار قد يفرضان واقعا مؤقتا لكنهما عاجزان عن صناعة مستقبل أو فرض شرعية أبدية. الأوطان لا تبنى بقرارات الغرف المغلقة والخرائط لا تثبت على الأرض إلا إذا حفرت جذورها في وجدان الشعوب وإرادة الدول الحية. إن الإقليم اليوم يعيش حالة سيولة استراتيجية غير مسبوقة. تتراجع قوى تقليدية وتصعد قوى إقليمية ودولية وتتقاطع مصالح العواصم الكبرى فوق أجساد الشعوب المنهكة. وفي خضم هذا الصخب، يبدو المشهد لمن يقرأ السطح وكأن المنطقة مجرد رقعة شطرنج يحركها لاعبون كبار من وراء البحار. لكن من يتأمل الجوهر يدرك أن ثمة مقاومة صامتة وعميقة تبديها المجتمعات والدول التي ترفض أن تكون مجرد حبر على ورق الآخرين. فالمفارقة الكبرى في صراعات المنطقة اليوم هي أن كل الأطراف المتصارعة ترفع شعار إعادة رسم الشرق الأوسط لكن أيا منها لا يملك بمفرده مفاتيح النهاية. القوى العظمى تستنزف نفوذها في محاولة ضبط إيقاع فوضى خلقتها بنفسها والوكلاء والميليشيات يتوهمون أنهم يصنعون تاريخا بينما هم ليسوا سوى أدوات عابرة في صراع كبار. أما الشعوب رغم قسوة الجراح والمرارة فتظل هي الصخرة الصلبة التي تكسر فوقها أوهام الإمبراطوريات العابرة. حين تتغير الخرائط تتكشف عورات الأنظمة الهشة وتتهاوى الأوهام الأيديولوجية. وتدرك مصر بحكم موقعها وثقلها التاريخي ووعيها الاستراتيجي أن حماية الدولة الوطنية الحديثة ليست ترفا سياسيا بل هي طوق النجاة الوحيد لإقليم يوشك أن يبتلعه الغرق. فالدولة الوطنية بجيشها ومؤسساتها ووحدة نسيجها وقدرتها على حماية حدودها ومقدراتها هي الحصن الأخير ضد شريعة الغاب التي يحاول البعض فرضها.
إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه مصر ودول المنطقة الواعية ليس فقط في كيفية إدارة الأزمات المشتعلة على الحدود بل في كيفية منع تحول إعادة رسم الخرائط إلى أمر واقع يفرضه المتغيرون. التاريخ لا يرحم من يقف متفرجا والسياسة الناجحة لا تكتفي برد الفعل بل تصنع المبادرة وتفرض قواعد اللعبة وتذكر الجميع بأن أمن الإقليم واستقراره لا يمكن أن يتحققا بتجاوز القوى الكبرى التاريخية التي تحمل مفاتيح التوازن في المنطقة.
من يملك حق رسم النهاية إذن؟ ليس العابرون ولا أصحاب الأجندات الضيقة ولا الغزاة الجدد الذين يظنون أن بإمكانهم إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق مصالحهم العابرة. النهاية الحقيقية ستكتبها وتحدد ملامحها تلك الإرادات الوطنية الصلبة التي تستعصي على الكسر وتلك الشعوب التي تقاوم لتبقى، وتلك الدول التي تدرك أن البقاء للأقوى وعيًا لا للأقوى سلاحا. إن الجغرافيا قد تضيق والخرائط قد تتغير والسنوات قد تثقل بكاهل المنطقة لكن الحقيقة الثابتة التي يجب أن يدركها الجميع هي أن الشرق الأوسط ليس أرضا بلا أصحاب وأن من يحاول كتابة السطر الأخير عليه أن يحسب حسابا لمن يملكون حق كتابة البداية.. والنهاية معا.
