سقوط الأقنعة الاستراتيجية.. بقلم :شحاته زكريا
حين يشتد غبار المعارك الكبرى وتتقاطع مصالح الأمم فوق رمال المتحفزات.تتساقط طلاءات التجميل وتبدو الحقائق عارية بلا رتوش. لقد عشنا طويلا وسط هالة كثيفة من الشعارات البراقة والمصطلحات الدبلوماسية المعقمة التي روجت لعالم مثالي تحميه المؤسسات الدولية وتديره قواعد العدالة والمساواة. لكن اختبارات الواقع القاسية جاءت لتزيل الطبقات الخادعة كاشفة عن وجه عالمي براجماتي لا يعترف إلا بلغة القوة ولا يقيم وزنا للعهود حين تتعارض مع المصالح الضيقة. إننا نشهد اليوم ليس فقط تحولاً في موازين النفوذ، بل سقوطا مدويا لالأقنعة الاستراتيجية التي طالما استُخدمت لتنويم الوعي الإنساني والسياسي. التاريخ الإنساني علمنا أن الأزمات الكبرى هي وحدها الكفيلة بفرز الحلفاء الحقيقيين عن تجار المواقف. فحين تشتعل الأزمات الإقليمية والدولية تتوارى خلف الكواليس كل خطابات الأخلاق وحقوق الإنسان، لتطفو على السطح المصالح العارية والتوازنات الباردة. لقد صدقنا طويلاً أن التحالفات تبنى على القيم المشتركة والمبادئ الثابتة فإذا بنا أمام مسرح سياسي تدار خيوطه بمنطق الربح والخسارة وتتبدل فيه الصداقات والعداوات بلمح البصر تبعا لحركة مؤشرات الطاقة والأسواق والنفوذ. وهنا يكمن الدرس الأقسى والأعمق لكل أمة تريد أن تحمي نفسها في عالم لا يرحم السذاجة فالاعتماد على الحماية الوهمية أو الرهان على وعود الآخرين هو انتحار سياسي بطيء. ولكن بعيدا عن مشاعر الإحباط التي قد تولدها مشاهد الخذلان وسقوط الأقنعة تحمل هذه اللحظة التاريخية فرصة نادرة لإعادة قراءة المشهد بعين عقلانية ومجردة. إن انكشاف زيف الخطابات القديمة يعني بوضوح أن الوقت قد أوان لامتلاك الرؤية المستقلة التي لا تبحث عن أغطية خارجية بل تستند إلى قوة الذات وصلابة الجبهة الداخلية. الأوطان لا تُحرس بالتحالفات الهشة ولا بالرهانات المؤقتة بل تصان بالإنتاج الحقيقي وامتلاك أدوات القوة الشاملة وبناء اقتصاد صلب يمنح القرار السياسي سيادته الكاملة ووزنه المستحق. وهنا تبرز المسؤولية التاريخية للنخب الفكرية والسياسية في توجيه البوصلة نحو الداخل بعيداً عن استهلاك الأوهام أو التباكي على متغيرات لا يد لنا فيها. إن سقوط الأقنعة يجب أن يقابل بيقظة وعي جمعي تدرك أن العالم لا يحترم إلا الأقوياء وأن الضعيف لا يجد له مكاناً على طاولة الكبار مهما أجاد فنون الاسترضاء. الأمة التي تملك قرارها وإرادتها هي وحدها القادرة على فرض احترامها وحين تمتلك مقومات قوتها تتساقط أمامها كل التحديات وتتكسر على أعتابها أطماع الطامعين. ختاما إن عصر الأقنعة الاستراتيجية قد شارف على الانتهاء ليفسح المجال أمام مرحلة أكثر قسوة ووضوحا.فالحقائق العارية وإن كانت مؤلمة في بدايتها إلا أنها تمنحنا فرصة بناء المستقبل على أرض صلبة لا تقبل الاهتزاز. الأوطان الباقية هي تلك التي تتعلم من صدمات التاريخ وتستبدل أوهام التحالفات الخادعة بيقين العمل المخلص والاعتماد على الذات فمن لا يملك أمره لن يملك غده أبدا.
