جغرافيا الدم والرماد.. لماذا يظل الأمن القومي المصري خط الدفاع الأول عن استقرار المنطقة؟

0

بقلم :شحاته زكريا
حين تلقي نظرة فاحصة على خارطة الشرق الأوسط اليوم لا تري سوى مساحات شاسعة من جغرافيا الدم والرماد حيث تهاوت دول وتفككت مجتمعات وتحولت عواصم عربية عريقة إلى مسارح مفتوحة للصراعات العبثية والتدخلات الإقليمية والدولية. في هذا الإقليم الذي يبدو وكأنه يسير بكامل إرادته نحو حافة الهاوية تظل مصر وحدها هي السد العالي الذي تتكسر عليه أمواج الفوضى والقلعة التي تحفظ للوطن العربي بقاياه من التشتت والضياع. إن الأمن القومي المصري لم يكن يوماً مجرد حدود جغرافية تُحرس بالسلاح بل هو المظلة الأوسع التي تستظل بها الأمة عندما تشتد عليها العواصف وتتخلخل أركان بيتها الكبير ليست هذه الحقيقة وليدة المصادفة بل هي استنطاق لنواميس التاريخ والجغرافيا معا فعلى مدار عقود طويلة أدركت القاهرة بفطرتها الاستراتيجية العميقة أن أمنها القومي متصل وشائج القربى والدم والمصير المشترك بأمن محيطها العربي والإفريقي. لم تكن مصر يوما دولة عزلة بل كانت القلب النابض الذي يضخ الحياة في شرايين الإقليم وحين يتعرض هذا القلب للاهتزاز تختل توازنات القارة بأسرها. ومن هنا فإن الحفاظ على الدولة الوطنية المصرية وتثبيت أركان مؤسساتها، لم يكن مكسباً للمصريين وحدهم بل كان طوق النجاة الأخير لملايين العرب الذين يرقبون المشهد بقلوب خائفة وعيون تتطلع إلى مرسى أمين. والمتأمل لطبيعة التحديات الراهنة التي تحيط بمصر من كل اتجاه على الحدود الغربية في ليبيا الممزقة وعلى الخاصرة الجنوبية في السودان الشقيق، وفي الاتجاه الاستراتيجي الشرقي حيث القضية الفلسطينية تنزف تحت وطأة أبشع مخططات التصفية والتهجير يدرك ضخامة الأمانة وثقل المسئولية. لقد واجهت الدبلوماسية والقيادة المصرية في السنوات الأخيرة اختبارات قاسية لم تسقط فيها قط إذ وضعت خطا أحمر لا يمكن تجاوزه ليس فقط دفاعا عن ترابها الوطني بل دفاعاً عن الفكرة العربية ذاتها. فالرفض المصري الحاسم لمخططات التهجير وتفريغ القضية الفلسطينية لم يكن مجرد موقف سياسي تقليدي بل كان إدراكا تاريخيا بأن تصفية فلسطين تعني بالضرورة إسقاط البوابة الشرقية للأمن القومي العربي بأسره. إن ما يميز العقيدة الأمنية المصرية في هذا الظرف التاريخي الدقيق هو قدرتها الفائقة على المزج بين صلابة القوة وحكمة الرؤية. فالجيش المصري بكل ما يملكه من جاهزية وكفاءة ردع متقدمة يقف درعا صامتا لا يتبجح بالصراخ ولا ينجر إلى استفزازات رخيصة ولكنه يعلم تماما متى وكيف يضرب لحماية مصالحه العليا. وفي المقابل تتحرك الدولة المصرية على مسار التنمية والبناء الداخلي بمنطق المعجزة فهي تدرك أن الدولة الضعيفة اقتصاديا واجتماعيا لا تستطيع أن تحمي حدودا ولا أن تفرض قرارا. من هنا كانت النهضة الشاملة في البنية التحتية وبناء المدن الجديدة وتوطين الصناعات وإصلاح الاقتصاد، هي الوجه الآخر لعملة الأمن القومي فلا ردع سياسيا بدون اقتصاد قوي ولا استقرار إقليميا بدون جبهة داخلية واعية ومترابطة. وفي عالم باتت تدار فيه الصراعات بالوكالة وتتلاعب فيه الخوارزميات والشائعات بعقول الأجيال تظل الكلمة المصرية صوتا للعقل والحكمة. إن مصر لا تبحث عن زعامة زائفة ولا تتدخل في الشؤون الداخلية للآخرين بل تقدم دائما نموذجا للدولة التي تحترم سيادة الدول وتدعم مؤسساتها الوطنية ضد الميليشيات والمرتزقة ومشاريع التقسيم. هذا الثبات على المبدأ هو ما جعل عواصم القرار الكبرى تحسب للرؤية المصرية ألف حساب وتدرك أن أي تسوية حقيقية في المنطقة لا يمكن أن تصنع بمعزل عن القاهرة ختاما إن جغرافيا الدم والرماد التي تحيط بنا تنذر بأن القادم ليس سهلا وأن معركة الوعي والبقاء مستمرة. لكن ما دام في هذا الإقليم عاصمة بحجم تاريخ مصر وصلابة مؤسساتها وما دام هناك جيش يحمي وشعب يعي فلن يضيع البيت الكبير. إن مصر ستبقى دائما كما كانت عبر التاريخ خط الدفاع الأول والحصن الأخير الذي يستند إليه كل خائف وباحث عن الأمان.. درع الأمة ونسغ بقائها.