البيت العربي الكبير.. لماذا تظل القاهرة والرياض ركيزتي الأمان في المنطقة؟
بقلم :شحاته زكريا
في جغرافية السياسة المعقدة وحين تتلاطم أمواج الأزمات على شواطئ أمة تتجاذبتها أطماع الخارج وتصدعات الداخل تظل هناك حقائق راسخة لا تهزها عواصف التغيير ولا تخفت جذوتها ظلمات اللحظة الراهنة. إن التاريخ العربي لم يكن يوما مجرد سردٍ لتواريخ وأحداث بل هو سيرة حية تعيد صياغة نفسها عند كل مفترق طرق. وحين نتأمل خارطة الاستقرار في هذا الإقليم المترامي يبرز الحصن الحقيقي الذي يستند إليه البيت العربي الكبير حيث تلتقي إرادة العروبة النابضة في القاهرة بحكمة وعزم القيادة في الرياض لتشكلا معا ركيزتي أمان لا غنى عنهما لضمان بقاء الأمة وعبورها نحو بر الأمان. ليست هذه الشراكة الاستراتيجية بين مصر والسعودية وليدة مصادفة سياسية عابرة، ولا هي تكتيك دبلوماسي يفرضهُ موسم بعينه بل هي قدر تاريخي وجغرافي فريد. فمنذ فجر التاريخ الحديث والمعاصر أدركت القاهرة أن أمنها القومي يبدأ من الخليج واستوعبت الرياض بحسها الواعي أن عمقها الاستراتيجي يمتد من النيل. هذا التطابق الواعي في رؤية الدولتين لمفهوم الأمن القومي العربي لم يكن ترفاً فكريا بل كان طوق النجاة الوحيد في إقليم يعج بالمتغيرات والتحديات. فعندما تتكاتف القوة العسكرية والدبلوماسية والروحية لمصر مع الثقل الاقتصادي والسياسي والروحي للمملكة العربية السعودية يتولد درع واق يحمي المنطقة من محاولات التفتيت والعبث بمقدرات شعوبها. إن المتأمل للمشهد الإقليمي اليوم يدرك كم هي هشة تلك المحاولات اليواسية التي تسعى لضرب هذا التحور الاستراتيجي أو النيل من صلابته. فالقاهرة والرياض تمثلان قطبي الرحى اللذين تدور حولهما استقرار المنطقة. حين تمُر مصر بأي تحد تكون الرياض في طليعة الداعمين بوعي وإيمان بأن قوة مصر هي قوة للعرب أجمعين وحين تواجه السعودية أو الخليج أي تهديد تقف القاهرة بجيشها العظيم وكلمتها الثابتة درعا وسنداً لا يلين. هذا التناغم العفوي والعميق يعكس فهماً دقيقا لطبيعة المخاطر المحيطة وتأكيدا على أن التشتت العربي لا يخدم سوى أعداء الوطن. وفي زمن تلاشت فيه الحدود الفاصلة بين الحقيقة والتضليل واجتاحت المنطقة أمواج من الفوضى الخلاقة والمشاريع العبثية لتغيير هوية الدول وتفكيك جيوشها ظهر جليا الدور المحوري للرياض والقاهرة في إجهاض تلك المخططات. لقد برهنت القيادة المصرية بصلابتها والقيادة السعودية بحنكتها ورؤيتها الطموحة رؤية 2030 على أن الدول الوطنية القوية هي وحدها القادرة على حماية شعوبها. لم تعد السياسة في عواصم القرار الكبرى بالمنطقة تدار بردود الأفعال بل بامتلاك أسباب القوة والسبق في التنمية وبناء الإنسان وصياغة خطاب عاقل يوازن بين متطلبات الحداثة وثوابت الهوية.
إن الرهان على البيت العربي الكبير يبدأ من تسوية الخلافات العابرة وتعزيز مسارات التكامل الاقتصادي والتنموي بين مصر والسعودية. فالاستثمارات المتبادلة والمشروعات الكبرى وتوحيد الرؤى في المحافل الدولية والتصدي الحاسم لأطماع القوى الإقليمية والدولية التي تريد إعادة تقسيم المنطقة كلها شواهد تؤكد أن القاهرة والرياض تمسكان بزمام المبادرة. إننا أمام نموذج فريد للدبلوماسية الرشيدة التي لا تبحث عن المكاسب الضيقة بل تسعى لاستقرار مستدام يحفظ للشباب العربي أملا مشروعا في مستقبل أفضل.
ختاما يبقى الأمل معقودا على هذين الجناحين الكبيرين للجسد العربي. فما دامت القاهرة والرياض تقفان على إحداثيات ثابتة من الأخوة والوعي المشترك سيظل البيت العربي الكبير منيعا وإن هبت ريح الهدم من كل جانب. إنها رسالة التاريخ والجغرافيا معا ألا سبيل للنجاة إلا بالتضامن وأن قوة العرب مجتمعين هي وحدها الكفيلة بصون الكرامة وحفظ مقدرات الأجيال القادمة.
